قضايا ودراسات

لا تعيدوا شريط زمان

نور المحمود

اعذرونا إن أصبحنا عاجزين عن التمييز بينهن. واعذرونا إن أصبحنا جاهلين لمعايير الجمال وفقدنا دليل وقاموس هذا الوقت، ففي المخزون والذكريات ما زالت صور زمان ومقاييس زمان هي السيدة السائدة.
مزعجون الأصدقاء الذين يوقظوننا من السبات العميق، فيفتحون أعيننا على مشاهد لا تشبه حاضرنا. ينشرون صوراً ومقاطع فيديو وشرائط عن حكايات وكأنها أساطير عاشها الآباء والأجداد في الواقع، فتدب فينا الغيرة والحيرة، أنحن من قتل الحكايات الجميلة والوردية، وجعلنا واقعنا افتراضياً، يقف حائراً أمام تحديد هوية عصرنا، كما يحتار في تحديد هوية الإناث من الذكور في كثير من الأحيان؟
يصادف مرور شريط مصوّر يتناقله الناس على مواقع التواصل، عن شوارع وأهل بيروت زمان، والقاهرة زمان، وبغداد ودمشق وباريس وروما.. نتمعن بأدق التفاصيل فيه، فتصير صورنا تصغر في عيوننا.
ننظر إلى من عاشوا الأربعينيات والخمسينيات والستينيات باستغراب: لماذا كل تلك الأناقة والجمال والبساطة؟ كل من يمر في الشارع من الرجال يرتدي بذلة وربطة عنق في الصباح وكأنه ذاهب إلى حفل رسمي، أو لقاء عمل، أو أول موعد مع الحب. وكل السيدات أيقونات موضة وجمال حقيقي وطبيعي.. الأطفال يلعبون في الشوارع وكأنهم يرتدون ملابس العيد. الأناقة و«الشياكة» هي الزي الموحد للجميع، حتى الباعة في الأسواق، والطفل بائع الورد والجرائد.. كلهم يشبهون أخلاقهم، وشوارعهم تشبههم.
شاهدوا الشريط أكثر من مرة، وتذكروا أننا اليوم أكثر وعياً وتعلماً وتطوراً وانفتاحاً من هؤلاء البسطاء.. ونحن اليوم أكثر سفراً وسعياً خلف المعرفة وتسويق الذات وتوثيق الأحداث مهما كبر حجمها أو صغر إلى حد التفاهة. وأطفالنا اليوم أكثر قدرة على التحكم بمسارات حياتهم، والتحدث بأكثر من لغة.. لكننا أمامهم مهزومون، مشوَّهون ومشوِّهون.
«الموضة» ليست مجرد قماش ورسم وماكينة خياطة وأزرار وخيوط.. الموضة ذكية خبيثة، عرفت كيف تمحو هويتنا فصرنا كلنا نلبس ما أبى الفقراء والمحتاجون على ارتدائه في زمن الجمال والعزّة. جعلتنا نشتري كثيراً ونستهلك كثيراً وننفق أموالاً.. دون أن نصل إلى ذلك البهاء والرقي.
أوقفوا نشر صور زمان وأناقة الأمهات والجدات والآباء والعمّال والباعة.. لأننا عالقون بين فكي الماضي والحاضر. لا تعيدوا شريط زمان حيث كانت الأخلاق صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في الشارع والبيت والمقهى وفي كل مشهد وركن.. كانت صاحبة الجلالة المتحكمة بالعقل واللسان، وحتى بمظهر الإنسان. لا تحرقوا قلوبنا عليها، فقد جاء من ينقلب عليها ويدفنها بحجة التحرر من القيود والانفتاح.

noorlmahmoud17@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى