قضايا ودراسات

فشل الاحتلال

علي قباجه

هزيمة مُركبة أصابت «إسرائيل» في مقتل؛ وكانت القشة، التي قصمت ظهرها؛ حيث إن الاحتلال «الإسرائيلي» فعلياً مُني بخسارتين كبيرتين؛ الأولى فشله العسكري، وتحوّل «يده العليا» إلى «الدنيا»، والثانية إطاحة وزير حربه أفيجدور ليبرمان، الذي ظل طوال فترة تسلّمه يُزبد ويُرعد، متوعداً غزة بالدمار والموت، وأنه سيفتح عليها أبواب الجحيم، وسيسقطها، إلا أنه سقط ولم تسقط غزة، وغدت حكومة اليمين على شفا جرف سينهار بها حتماً، فحالها كناطح صخرة بقرنيه ليوهنها فلم يوهنها وأوهى قرنه الوعل؛ فمن صمد لاثنتي عشرة سنة لن يُلقي عصا الطاعة ويُذعن، بل سيجعل سحر الاحتلال ينقلب عليه، وهو ما تبدت بعض تباشيره؛ بعد أن أظهر مستوطنوه غضباً؛ جرّاء فشل حكومتهم الذريع، واستسلامها المر للأمر الواقع، الذي فرضته التظاهرات السلمية ومسيرات العودة.
أيام ثلاثة من العدوان، كانت كفيلةً بفرض غزة معادلة تردع من خلالها الاحتلال، وتلقنه درساً سيظل ماثلاً في ذاكرته، التي لم تعقل حتى الساعة أن غزة ستبقى عصية. وهو ما أدركته حكومة نتنياهو، التي سعت للتهدئة لعلمها القاطع بأنها ستخرج خالية الوفاض، وستتكبد هزيمة مريرة، في ظل تفكك الجبهة الداخلية، وافتقار جيش الحرب لاستراتيجية هجومية، إضافة إلى عوامل كثيرة؛ منها الخلافات العاصفة بين الأحزاب «الإسرائيلية» ووزراء الحكومة، وقضايا الفساد، التي تلاحق نتنياهو، وربما تطيحه قريباً، وتذهب به كما فعلت بأسلافه من قبله.
هذه المعركة وجهت رسائل عدة للاحتلال، فهي من جهة أظهرت تماسك الفلسطينيين، ووحدة قرارهم، وتنسيقهم العالي، إضافة إلى التماسك الشعبي، وتوحد الجبهة الداخلية بكافة أطيافها، وتجاهل الخلافات، ومن الجهة الأخرى، كان الرد كبيراً؛ حيث أظهرت غزة أسلحة جديدة، وصواريخ دقيقة، وقدرة على المناورة والتخفي، ما أربك جيش الحرب، وهو ما دفعه إلى استهداف البنية التحتية المدنية.
وكل هذا دفع ليبرمان إلى الاستقالة، وقال بملء فيه «إن«إسرائيل» استسلمت»؛ بقبولها التهدئة»، وهو اعتراف صريح بفشلهم، ونعي واضح لهيبتهم؛ حيث إن شوكتهم قد كُسِرت. ف «إسرائيل» اليوم لم تعد كسابق عهدها، تبطش كما تريد في كل حدب وصوب؛ بل أصبح جل مطالبها، المحافظة على ما هي عليه الآن، وهذه النقطة تعد مؤشراً على أن بداية نهايتها وشيكة.
وينبغي على الفصائل الفلسطينية بعد تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض في صد الاحتلال، أن تُنسق الجهود، وتوحد بوصلتها نحو خيار الوحدة ورأب الصدع؛ حيث إن ذلك وحده سيكون كفيلاً بنصرة القضية الفلسطينية، وإكسابها زخماً دولياً، وينبغي أن تستمر إلى جانب ذلك النُخب الفلسطينية المثقفة بطرح الرؤية الفلسطينية الواضحة لمعنى الصراع الفلسطيني-«الإسرائيلي» في كل محفل؛ بحيث تُعرف الجيل الحالي إلى إرث الآباء والأجداد حتى تبقى قضية العرب الأولى ماثلة في ذهن كل عربي، فما أفشل عدوان «إسرائيل» الأخير، هي التظاهرات السلمية، التي خرجت تطالب بحقوقها السليبة، وإلى جانبها ذلك القلم، الذي يُوثق الحقيقة، ويُعرِّف العالم بأسره إلى حقيقة هذا الشعب، الذي ينشد العيش بسلام كبقية شعوب المعمورة، وهو ما أدى بدوره لحراك عالمي أسهم في وقوف الرأي العام العالمي إلى جانب القضية الفلسطينية.

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى