قضايا ودراسات

استذكار باريس: لماذا يغيب العرب؟

محمد نور الدين

على الرغم من ثقل الأحداث في قطاع غزة والعدوان «الإسرائيلي» المفتوح، فلا يمكن لكاتب أو أي مراقب أن يدع حدثاً يمر دون التوقف عنده، مثل ذكرى مرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى في العام 1918.
وكان هذا الحدث قد شهد فورة استذكار عند اندلاعه قبل أربع سنوات من ذلك؛ أي في العام 1914. فتعددت الإصدارات التاريخية والكتب التي تسعى لقراءات جديدة، من زوايا مختلفة للحدث.
الصور التي مرت أمام أعين الناس في كل أنحاء العالم يوم الأحد الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، تكاد للوهلة الأولى تظن أنها التقطت قبل مئة عام، بيد أن التأمل في الوجوه يُعيدك إلى أرض الواقع، على قاعدة أن التاريخ يكرر نفسه، لكن بوجوه جديدة ولاعبين جدد.
الحرب العالمية الأولى كانت حرب القوى العظمى فيما بينها؛ ألمانيا والدولة العثمانية والنمسا والمجر وبلغاريا من جانب، وفرنسا وبريطانيا وروسيا من جانب آخر. انسحبت روسيا من الحرب لاحقاً، وانضمت إيطاليا والولايات المتحدة لاحقاً.
كانت الحرب صراعاً على النفوذ والمصالح في كل العالم.
وإذا كانت الدولة العثمانية قد أخطأت في دخول الحرب التي انتهت بدمارها وتقسيمها وفتحت الباب أمام ظهور مآسٍ على العرب لا يزالون يعانونها، فإن التاريخ يشير بسبّابة كبيرة، إلى أن الدول التي كانت وراء مآسي العرب لا تزال هي نفسها تتحرك وتعمل على مواصلة هيمنتها واستعمارها، ونهبها للدول العربية تحديداً، يستوي في هذا التوصيف المنتصرون في تلك الحرب والمنهزمون.
فالمنتصرون؛ أي بريطانيا وفرنسا، استمروا بعد الحرب العالمية الأولى والثانية في ممارسة أسوأ أشكال الاستعمار الحديث. ففي الجزائر عمدت فرنسا إلى محاولة صهر الشعب الجزائري وطمس هويته، ودمجه في الشعب الفرنسي. أما بريطانيا فكان لها الدور الأكثر بشاعة عندما كانت المُخرج لكيان الاستيطان والاقتلاع الصهيوني في فلسطين.
استغلت بريطانيا الحرب العالمية الأولى لتطلق أولاً وعد بلفور المشؤوم، فتعد من لا يستحق بأرض لا تملكها هي، ومن ثم كان التقسيم المنظم والمخطط للمشرق العربي، وإعطاء فلسطين وضعاً دولياً كان واضحاً أنه محطة في مؤامرة تهويد فلسطين، وإقامة كيان لليهود هناك، وهي المؤامرة المستمرة حتى اليوم.
فدعم الكيان لم ينقطع من جانب بريطانيا يوماً؛ حيث كانت الموحي والداعي والمشارك في كل أنواع المؤامرات على الشعب العربي. ولا ينسى أحد كيف كان توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا عام 2003، يهوّل كاذباً كيف أن صدام حسين قادر خلال 45 دقيقة، على أن ينتج سلاح دمار شامل، محرضاً على غزو العراق ومشاركاً فيه.
أما الطرف الثالث وهو الولايات المتحدة، فالكل يعلم كيف أنها انتجت مع بريطانيا وفرنسا الكيان «الإسرائيلي»، ومن ثم رعايتها الكاملة له بمفردها.
أما الدولة العثمانية التي شارك وريثها الشرعي رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في احتفال باريس، فلم تُقصّر في التفريط في فلسطين عندما كانت تمضي بعيداً في سياسات معادية للشعب العربي الخاضع لهيمنتها، فرفضت مطالب العرب لكي يبقوا معها.
علّقت المشانق في بيروت ودمشق فلم تترك لها نصيراً ولا مؤيداً، وفر جنودها من دمشق وبيروت وحلب والموصل، وتركت فلسطين عرضة للاغتصاب.
وبعد الحرب العالمية الثانية كانت تركيا شريكاً في تمكين الوجود اليهودي في فلسطين، بعلاقاتها الاستراتيجية التحالفية مع «إسرائيل»، ولا تزال هذه العلاقات قائمة على الرغم من وجود حزب إسلامي الطابع في السلطة منذ العام 2002.
هؤلاء المسؤولون عن نكبات العرب من بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة وتركيا، اجتمعوا في باريس من دون حياء أو خجل، داعين إلى السلام من دون أي كلمة اعتذار من الشعوب التي أبادوها والمآسي التي تسببوا بها.
وإن دل هذا الصلف على شيء، فعلى أنه لا مكان تحت الشمس سوى للقوي وللإرادة الصلبة. وإذا لم يمتلك العرب نواصيهم بأيديهم، فسنبقى نرى هذه المشاهد والاستذكارات تتكرر والعرب غائبون عن الصورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى