قضايا ودراسات

الإرهاب وحركات التحرر

الحسين الزاوي

يوظف القاموس السياسي المعاصر، العديد من المفاهيم والمصطلحات التي تعني أشياء مختلفة وتحيل إلى سياقات متعارضة، لكنها لا تحمل في المقابل دلالة محددة يُتفق عليها من طرف الجميع.
ويمكننا أن نزعم أن السياسيين وكتاب الأعمدة وزعماء الأحزاب وقيادات الدول، يذهبون إلى أن مصطلح الإرهاب هو من جنس تلك المفاهيم ذات المعاني المتسيبة التي تشير إلى أشياء ومواضيع كثيرة دون أن نتوافق بشأن مضامينها ومرجعياتها.
وبالتالي فإن صعوبة تعريف الإرهاب لا تقتصر فقط على الجانب الأكاديمي والتداولي، بل تتعداه إلى الهيئات الدولية وفي طليعتها الأمم المتحدة التي لم يتوصل أعضاؤها إلى تقديم عناصر أولية من أجل اعتماد تعريف إجرائي دقيق للظواهر التي يمكن أن يصدق عليها وصف الإرهاب.
استطاع الباحث الفرنسي سيريل بريت في كتابه الموسوم: «ما الإرهاب؟» الصادر عن منشورات جوزيف فران، أن يثير جملة من الأسئلة والنقاشات التي أكدت في مجملها على صعوبة التعامل بشكل موضوعي وحيادي مع ظاهرة معقدة مثل الإرهاب، وحرص الكثير من منتقديه على تذكيره بأن الإرهاب يستوجب منا الإدانة وليس محاولة فهمه والتعامل معه بشكل عقلاني، لأن تفسيره وشرح دوافعه وأسبابه، قد يقودنا إلى تبريره وإلى الترويج بشكل غير مباشر لدعاوى ومزاعم الإرهابيين، من قبيل أن وصف مجموعة ما بالإرهاب يندرج في خانة وجهات النظر السياسية، أو أن الإرهاب هو شكل من أشكال مقاومة عنف الآخر، أو أن العمل الإرهابي يمثل رداً «مشروعاً» على «عنف» الدولة وعلى «استبداد» مؤسساتها الأمنية.
ويرى بريت أنه من الأهمية بمكان مقاربة موضوع الإرهاب بكثير من الحذر المنهجي من خلال حجج فلسفية وعقلانية تساعدنا على تقديم فهم أفضل لأسباب وعوامل انتشار الأعمال الإرهابية، حتى لا تقتصر أدوات محاربتها على الوسائل الأمنية، ولكي يحافظ المجتمع على وحدته وتجانسه ولا يقع بعض أفراده فريسة سهلة للدعاية السياسية التي تقوم المجموعات الإرهابية بالترويج لها.
وبخاصة أن الإرهاب يوجد في كل مكان، لكنه في المقابل غير موجود في مكان محدد يسمح لنا بمحاصرته؛ ويجب الاعتماد في عملية تحديده وتعريفه على موقف وفهم ضحايا العمليات الإرهابية له، وليس انطلاقاً من رؤية خصومه السياسيين، لنتحرر بذلك من دائرة الموقف والموقف المضاد، لأن الإرهاب يستهدف الجميع وتحديداً السكان المدنيين، ويمكن لكل واحد منا أن يكون إحدى ضحاياه، إنه يشيع داخل المجتمع إحساساً غامضاً ومقلقاً بالضعف والهشاشة الشاملة، ويمكن لأي كان في زمان ما وفي مكان ما أن يُستهدف من طرف هذا الإرهاب الأعمى، الذي يسعى إلى الهيمنة الذهنية من خلال نشر الرعب بين الناس.
كما يشير الكاتب في السياق نفسه إلى الخلفيات التاريخية والسياسية لظاهرة الإرهاب، ويذهب إلى أنه من الصعب مقاربتها من زاوية واحدة، لأن تمظهراتها في الزمان والمكان تختلف إلى حد كبير، فهناك الإرهاب الذي مارسته القوى الفوضوية في نهاية القرن التاسع عشر، وهناك الأعمال الإرهابية التي نفذتها القوى اليسارية المتطرفة في السبعينات من القرن الماضي، وذلك فضلاً عن الإرهاب الذي تمارسه المجموعات الدينية المتشددة.
وقد لجأ بريت، من أجل تجاوز صعوبات تعريف الإرهاب إلى وضع 3 عناصر رئيسية: يتمثل العنصر الأول في القول إن الإرهاب هو تكتيك سياسي، وليس إيديولوجياً وليس ديناً وليس حتى برنامجاً سياسياً محدداً، لأن كل تيار سياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وكل عقيدة دينية وبصرف النظر عن هويتها، يمكن أن تعتمد كمرجعية لتبرير الفعل الإرهابي من أجل الحصول على نتائج سياسية، ويكمن العنصر الثاني في أن الإرهاب يستعمل العنف من أجل إشاعة حالة عامة من الرعب، قد يبدو ذلك بديهياً، لكن الإرهاب يعمل على خلق وضعية قصوى من الخوف والفوضى العارمة، أما العنصر الثالث والأخير، فيشير إلى أن هذا الرعب ينتشر لأن الضحايا الرمزيين والضحايا الحقيقيين يتشابهون بالرغم من اختلافهم.
صحيح أن العمليات الإرهابية، تخلق أجواء من الرعب والفوضى، لكنها لا تحدث الخسائر نفسها التي تتسبب فيها الحروب والكوارث الطبيعية وربما حتى حوادث المرور، لكنها تحدث في المقابل تأثيراً نفسياً كبيراً على المجتمع برمته الذي يصبح الضحية الرمزية الأولى لمثل هذه العمليات.
ومن الواضح إذن، أن صعوبة تعريف الإرهاب تعود لأسباب عديدة، يتصل بعضها باختلاف المواقف السياسية وبالأحكام المسبقة التي يمتلكها كل طرف تجاه الطرف الآخر، وذلك فضلاً عن تضارب المصالح بين القوى المتصارعة وتعدد السياقات التي تتحكم في توجيه مواقف الدول، الأمر الذي يجعل دولاً ترعى الإرهاب وتدافع عنه تتهم خصومها بالإرهاب وتدعي أنهم يمارسون الإرهاب الاقتصادي والفكري.
ويخدم هذا الالتباس الناجم عن التعريف الرمادي للإرهاب، القوى الاستعمارية وفي طليعتها «إسرائيل»، التي تريد أن يتداخل حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وشرفها، مع الأعمال الإجرامية التي تستهدف السكان المدنيين.

hzaoui63@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى