قضايا ودراسات

تداعيات العقوبات الأمريكية على إيران

د. ناجي صادق شراب

منذ أن اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، والعلاقات الأمريكية – الإيرانية، تسودها العدائية والتوتر، وهي ما زالت تتصاعد حتى الآن. فإيران تعتبر الولايات المتحدة «الشيطان الأكبر»، والولايات المتحدة تعتبر إيران الداعم الأكبر للإرهاب في العالم، وبسلوكها السياسي تمثل تهديداً ليس فقط لأمن دول المنطقة وللمصالح الأمريكية، إنما أيضاً لأمن واستقرار العالم، وأن التهديد الإيراني تجاوز كل الخطوط الحمر، ولم توقفه كل العقوبات الأمريكية التي مارستها الإدارات الأمريكية السابقة للإدارة الحالية، وخصوصاً بعد تغلغلها بشكل مباشر في العديد من الدول العربية كالعراق وسوريا واليمن.
وينظر لهذا الوجود المباشر والقريب جداً من منطقة أمن «إسرائيل»، بمثابة تهديد يسرع بخيار الحرب التي تلوح في الأفق، وفعلاً قامت «إسرائيل» وبدعم أمريكي بضرب الكثير من المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا.
هذا الوجود الإيراني والتغلغل في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية وخصوصاً منطقة الخليج العربي، التي تعتبر إحدى أهم المناطق الاستراتيجية للولايات المتحدة، ناهيك عن تهديد إيران المباشر للمضايق البحرية كمضيق باب المندب ومضيق هرمز؛ حيث تعبر ناقلات النفط، كل هذا السلوك يقف وراء العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب على طهران، وهي ليست المرة الأولى التي تفرض فيها هذه العقوبات، فعلى مدار أربعة عقود وسياسة العقوبات هي السياسة التي تتبناها الإدارات الأمريكية ضد إيران، إلى حين وقعت إدارة الرئيس أوباما الاتفاق النووي (خمسة زائد واحد) مع إيران؛ حيث تم رفع العقوبات، وهذا ما خفف على إيران وسمح لها بالانفتاح على العالم مجدداً وتحسين وضعها المالي والاقتصادي، لكن رغم هذا الاتفاق استمرت إيران في تطوير أسلحتها، وبرامج الصواريخ البالستية التي زودت الحوثيين في اليمن بها، ما رفع من وتيرة تهديد دول الخليج.
هذا السلوك دفع إدارة الرئيس ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق، وفرض الحزمة الأولى من العقوبات، ومن ثم الحزمة الثانية التي فرضت مؤخراً، وهي الأشد والأشمل والأخطر، لأنها تطال بنية الاقتصاد الإيراني في مجال الطاقة والبنوك، وهو ما قد يتسبب في خسائر كبيرة لإيران. والهدف من هذه العقوبات واضح، أولاً تقليص قدرات النظام السياسي الإيراني على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للشعب الإيراني، وهذا يعني زيادة حالة الإحباط واليأس والفقر التي قد تدفع الشعب للثورة ضد النظام والنخبة الحاكمة، إلا أن هدف إسقاط النظام، قد يكون مستبعداً لأسباب كثيرة تتعلق بسياسات القمع ودور الحرس الثوري في متابعة المعارضين وقمعهم بالقوة وحتى اغتيالهم، والهدف الثاني الدفع باتجاه تغيير السلوك الإيراني واستجابة النظام للتفاوض من جديد ليس فقط حول البرنامج النووي، بل حول الأسلحة البالستية أيضاً، والهدف الثالث تقليص الدور الإيراني في اليمن والعراق وسوريا، والأخيرة هي الهدف الرابع بانسحابها من الأراضي السورية. هذه الأهداف قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي بعض نتائجها، أولاً لقدرة النظام الإيراني على الصمود لمدة أربعين عاماً، لكن هذه المرة من المشكوك فيه وبسبب هشاشة النظام وضعفه وحجم الإنفاق الذي أنفقته على الحركات والجماعات الموالية لها، الصمود طويلاً.
من ناحيتها، تردد إيران على لسان رئيسها: «نحن في حالة حرب، ونواجه حرباً اقتصادية، وعدواً متسلطاً ويجب أن نصمد لننتصر». بمعنى أن إيران تراهن على استراتيجية الصبر والوقت، وعلاقاتها مع عدد كبير من الدول، وعلى الالتفاف على العقوبات، وما يخفف عنها سماح الولايات المتحدة لثماني دول باستيراد النفط وخصوصاً الصين وتركيا وروسيا وهي الدول التي تستورد أكثر من سبعين في المئة من النفط الإيراني، كما قد تلجأ إيران للتهديد بإرسال بعض بوارجها لمضيق هرمز، وتزيد من سلوكها العدائي والتهديد بتنشيط الجماعات الداعمة لها أو تبني استراتيجية الحرب بالوكالة، لكن من المرجح أن تتجنب خيار الحرب الإقليمية، لسبب بسيط هو تعاظم حالة العداء من حولها.. ويبقى في النهاية خيار الاستجابة والتنازل والدخول في مفاوضات جديدة تحقق الهدف من العقوبات وتحفظ لها قدراً من نفوذها، وهذا الخيار هو الأكثر عقلانية وواقعية.. لكن مع نظام الملالي وعقلية الحرس الثوري تبقى كل الخيارات مفتوحة.

drnagishurrab@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى