قضايا ودراسات

صراع الأقطاب

علي قباجه

بعد سنوات من الغزل المتبادل بين الطرفين، بدأت عرى الانقسام تتكشف بين الحليفين السابقين الولايات المتحدة وأوروبا؛ حيث إن الأخيرة اعتبرت أن العلاقة التي تجمعها بواشنطن أشبه بوصاية أكثر مما هي علاقة بين دول ذات سيادة، وهو ما حدا بها إلى التفكير بصوت عالٍ، بدأه رئيس وزراء المجر، وتَوجهُ إيمانويل ماكرون، الذي صرخ بصوت عالٍ بوجه أمريكا «نحن لسنا تابعين لكم».
اللافت، أن هذا الصراع بدأ يتسع بين الدول الكبرى، ومع أن فرنسا هي التي مهدت الطريق للعصيان إلا أن بقية الدول الأوروبية كانت الفكرة ذاتها تراودها، وهو ما جعلها تسير على خطاها لتوسيع قوة الردع الأوروبية، والعمل بشكل ذاتي على تقوية جيش أوروبا في مواجهة الأخطار الخارجية، في تلميح إلى روسيا والصين والولايات المتحدة. واللافت للنظر أيضاً أن المعارك الكلامية بين رئيس فرنسا ماكرون والرئيس الأمريكي ترامب شرّعت الباب لدول أخرى خارج السرب الأوروبي لتعلن عصيانها كما حدث مع الصين التي أعلنت إعادة هيكلة جيشها، والإعراب عن رغبتها في تحديث تكتيكاته القتالية.
وجاء الإعلان الصيني في أعقاب السجالات المتبادلة بين ماكرون وترامب، التي سلّطت الضوء على مدى التدهور اللافت بين الطرفين؛ حيث انتقد ترامب ماكرون، وقال حول تصريحاته بشأن حاجة أوروبا لحماية نفسها، «كانوا قد بدأوا يتعلمون الألمانية في باريس قبل مجيء الولايات المتحدة. ادفعوا لحلف شمال الأطلسي وإلا فلا»، كما قال: «بالمناسبة، لا يوجد بلد أكثر قومية من فرنسا»، في حين طالبت باريس الرئيس الأمريكي ب«التحلي باللباقة».
هذا الخلاف يركز على الصراع الجذري في المفاهيم بين دول كانت تعد حليفة، وهو مؤشر على أن الصراع الغربي طفح إلى السطح، وأصبح التنافس ظاهراً، وعدم الثقة برز بينها، وأضحى الأمن معياراً مهماً بدأت أوروبا في السعي إليه لمواجهة الابتزاز الأمريكي المستمر، الذي تتحمل أوروبا تبعاته المتمثلة بالأموال التي تنفقها على حلف «الناتو» دون أن تجني منه أي ثمرة بل هو في نظرها مكرّس لخدمة المصالح الأمريكية والمثال الأبرز على ذلك قاعدة «رامشتاين» في ألمانيا التي تستخدم خدمة لأمريكا.
وهذا الصراع لا يقتصر على المعسكر الغربي بل تتجاذبه أطراف في المعسكر الشرقي كروسيا والصين. وإعلان بكين بتغيير استراتيجية جيشها من الدفاع إلى الهجوم، هو رسالة موجهة للولايات المتحدة، في ظل إدانات الصين المتكررة لاستفزازات البحرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، كما تزامنت مع ارتفاع حدة الحرب التجارية بين البلدين مؤخراً، التي أذكاها ترامب.
أما روسيا فهي تحاول كسب العديد من الأوراق في مواجهة أمريكا عبر اللعب على ورقة الخلاف الأوروبي الأمريكي، في محاولة منها لاجتذاب القارة العجوز إلى جانبها، كما أنها لا تتوانى في تقديم التأييد والدعم السياسي إلى الصين.
إجمالاً، العالم أضحى يستوعب مجموعة أقطاب، أمريكا، التي تريد التفرد بالعالم، وأخرى مناهضة تريد كف اليد الأمريكية عن أعناقها، وبين هذا وذاك فإن الأمن العالمي اليوم يتجه للمجهول.

aliqabajah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى