قضايا ودراسات

ليس استشراقاً بل محبة

يوسف أبو لوز

هل قرأت كتاب: «العرب.. وجهة نظر يابانية» للباحث والأكاديمي الياباني نوبوأكي نوتوهارا، ولم تتصبب عرقاً، خجلاً من الحكايات والقصص والمشاهدات التي عاشها وراقبها في عدد من البلدان العربية، ثم جمعها في هذا الكتاب الذي وضعه باللغة العربية الفصحى؟
هو يتكلم العربية ويكتب بها أفضل ـ أحياناً ـ من بعض الكتّاب العرب، وهو عاش 40 عاماً متنقلاً بين مدن وعواصم وأرياف عربية، أحبّها وعرف وجدان الناس فيها، واقترب من أرواحهم وقلوبهم؛ ولذلك فهو يكتب من باب محبّته للعرب وعشقه للغة العربية والأدب العربي.
يقول نوتوهارا: «قابلت كتّاباً عرباً في البلدان العربية كلها، ولي أصدقاء كثيرون أحبهم واحترمهم وأعتز بصداقتهم، وأقمت مع الفلاحين في ريف مصر، ومع البدو في بادية الشام، وهناك تعلمت عميقاً دروساً في الحياة والثقافة وحوار الشعوب».
نوتوهارا ليس من طينة بعض المستشرقين الغربيين الذين يأتون أو أتوا إلى بلادنا، وهناك أكثر من علامة استفهام حول دوافع رحلاتهم وكتاباتهم عن الشرق، فضلاً عن الصور النمطية المستهلكة التي يحملونها على طبيعة الإنسان العربي وثقافته، وأسوأ من ذلك، هناك شبهات دارت حول بعض المستشرقين، محورها دورهم في الاستعمار أو التمهيد له، بدراسات وبحوث ومعايشة ميدانية تفوح منها رائحة جاسوسية مغلّفة بالثقافة وأدب الرحلات.
نوبوأكي نوتوهارا بدأ دراسته في قسم الدراسات العربية في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية، ثم قام بتدريس الأدب العربي المعاصر في الجامعة نفسها، ولم يكتف بما هو عمل أكاديمي صرف؛ بل عاش الحياة العربية، وسافر إلى أقطار عربية، وكتب انطباعاته عن مطاراتها ودوائر الهجرة فيها، وعاين إيقاع الحياة والناس في المطاعم والحقول والشوارع، ليخرج بعد ذلك بهذا الكتاب الذي يجدر بنا أن نقرأه لكي نتعلم منه كيف يكتب عنا من يحبنا، ويغار علينا.
يذكر نوتوهارا أن يوسف إدريس زار اليابان مرات عدة، باحثاً عن سر نهضتها، ويقول إنه التقى إدريس في زيارته الثالثة لطوكيو، وسأله عما إذا وجد الإجابة، فقال له إدريس: «عرفت السبب. مرة كنت عائداً إلى الفندق في وسط طوكيو حوالي منتصف الليل، ورأيت عاملاً يعمل وحيداً، فوقفت أراقبه، لم يكن معه أحد، ولم يكن يراقبه أحد، ومع ذلك كان يعمل بجدّ ومثابرة، كما لو أن العمل ملكه هو نفسه».
مرة كان نوتوهارا في مطار إحدى الدول العربية، وفيما هو مشغول بإجراءات الخروج ذهب ليبدّل العملة، ليكتشف أن موظفة البنك اختلست منه مبلغاً من المال.
في أحد الأرياف العربية، وفيما هو جالس في ضيافة العمدة، رأى طفلاً يجر عصفوراً بسلك وهو يرفرف على وجه الأرض، والناس يمرون بجوار الطفل كأن شيئاً لم يكن.
yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى