قضايا ودراسات

هل ثمة جولة حرب أخرى؟

حافظ البرغوثي

خرج «الإسرائيليون» من عاصفة أمطرتهم بالصواريخ، إلى عاصفة سياسية تمطرهم بعدم استقرار حكومي لفترة غير محددة، وتهدد بانتخابات مبكرة. كان للاشتباك الأخير مع قوى المقاومة في غزة أثره في إرباك الخارطة الحزبية اليمينية الحاكمة، حيث استثمر وزير الحرب ورئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيجدور ليبرمان وقف الاشتباك بوساطة مصرية لينسحب من الائتلاف الحاكم ويستقيل من وزارة الحرب بحجة أنها لا تحارب. ومن بين الأسباب الأخرى التي ساقها ليبرمان أنه يعارض إدخال الأموال القطرية إلى حركة حماس، مع علمه المسبق أن هذه الأموال جاءت نتيجة تفاهم أمريكي- قطري لتهدئة حماس، ودفع رواتب موظفيها ضمن خطة إنعاش غزة في «صفقة القرن» التي وضعها جاريد كوشنر.
أغلبية «الإسرائيليين» اعتبروا العودة إلى الهدوء انتصاراً لحماس والجهاد، لكن المحللين اعتبروا أن خوض حرب شاملة ضد حماس وتدمير بنيتها التحتية يتطلب زحفاً برياً وسقوط ما لا يقل عن 500 جندي، إضافة إلى قتل مئات بل آلاف من المدنيين، أما الاستخدام الحصري للقصف المدفعي والجوي، فسيُعَرِّض الاحتلال لمساءلة قانونية دولية، وملاحقة جنرالات وقادة سياسيين أمام القانون الدولي. هناك من رأى أن نتياهو يفضل بقاء حماس كطرف في غزة لخدمة صفقة القرن، ومن دونها لا يمكن الحديث عن انقسام فلسطيني وإحباط مشروع إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة، إلا أن الأسباب الأخرى، فهي أن الجيش «الإسرائيلي» لا يجد أهدافاً للقصف، فقد تلاشت لقطات قصف منصات الصواريخ المنطلقة من غزة من قبل الطيران «الإسرائيلي»، وكأن المقاومة تعلمت كيف تضرب وتخفي المنصات، ولا توجد أهداف ظاهرة يمكن قصفها بسرعة، ولهذا استاءت قيادة جيش الاحتلال من تسريب قول في مداولات قادة الجيش عن أنهم يفضلون رؤية إطارات مشتعلة للمحتجين في عسقلان، على رؤية جنازات للجنود في حرب برية.
هذا التشتت في الرؤية السياسية والعسكرية الاحتلالية أدى إلى عودة الهدوء وظهور توازن الردع مجدداً، إلا أن نتنياهو الذي يخوض معركته السياسية للبقاء في وجه احتمالات تقديم لوائح اتهام ضده بتهمة الفساد في قضايا عدة، يجد نفسه أمام خيارات صعبة، حيث يطالب حليفه اللدود المتطرف نفتالي بينيت بحقيبة الجيش، وهو الذي يعد «الإسرائيليين» بالنصر في حالة تسلمه الوزارة، كما أنه يفاخر بقتله لبنانيين في حرب لبنان، ويقال إنه قتل أسرى.
نتنياهو يفكر بتولي وزارة الجيش، وهو عملياً كان يتولاها، حيث منع ليبرمان من اتخاذ أية قرارات عسكرية مهمة، فإذا قرر الذهاب إلى انتخابات مبكرة، فلا بد أن يسجل انتصاراً باسمه في غزة، وهو يعرف أن هذا لا يتأتى إلا بحرب قصيرة خاطفة يوجه فيها ضربة قوية لفصائل المقاومة ككل. يقال إن الوحدة «الإسرائيلية» التي اكتشفت شرق خانيونس، كانت في مهمة كبيرة، حيث أمضت يوماً في بيت أحد العملاء، تم اعتقاله لاحقاً، وأنها كانت تقوم بمهمة كشف أنفاق ومخازن صواريخ متوسطة المدى، وأيضاً مراقبة بيت مروان عيسى، وهو الذراع الخفية للسنوار، وضابط الارتباط مع مصر، ويشكل معارضاً قوياً للمحور القطري، ويقيم في خانيونس في منطقة تسيطر عليها سرايا القدس التابعة للجهاد، لخشيته الاختراقات في صفوف حماس. بمعنى آخر أن الاستخبارات العسكرية «الإسرائيلية» استمرت في مهمة جمع المعلومات عن قدرات حماس والجهاد الصاروخية رغم التفاهم حول الهدوء مقابل الهدوء، وكأنها تستعد لجولة أخرى من الاشتباك، إذ لا يمكن أن تقبل حكومة اليمين بسياسة توازن الردع. وبغض النظر عن الأزمة السياسية «الإسرائيلية»، فإن معضلة غزة تبقى قائمة في وجه «إسرائيل»، فإما القبول برفع الحصار وإقامة ميناء.. إلخ، وإما الإبقاء على حالة التوتر. وإذا استمر الوضع بلا تهدئة أو مصالحة، يبدو أن جولة أخرى من المواجهة تلوح في الأفق لأسباب «إسرائيلية» وحمساوية.

hafezbargo@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى