قضايا ودراسات

«باليرمو».. صراع الكبار

فتح العليم الفكي

يعتقد الكثير من المراقبين للشأن الليبي، أن مؤتمر باليرمو الذي نظمته إيطاليا الأسبوع الماضي بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لحل الأزمة المستحكمة في ليبيا لم يأت بجديد يذكر، ولم يخرج بنتيجة تختلف عما وضعته المؤتمرات التي سبقته في الصخيرات بالمغرب أو باريس أو سويسرا.
ويدرج المراقبون المؤتمر في خانة الصراع والتنافس المحموم على الملف الليبي والمكايدات السياسية بين إيطاليا وفرنسا ومحاولات روما إبعاد باريس عن التدخل في شؤون مستعمرتها السابقة، بينما ترى باريس التي لها قوات عسكرية في المنطقة أن مناطق نفوذها في تشاد والنيجر قد تأثرت كثيراً بالصراع المسلح في ليبيا.
لقد استبقت فرنسا مؤتمر باليرمو بعقد لقاء – قبل يومين فقط من انطلاق المؤتمر – مع القيادات السياسية والعسكرية والقبلية بمدينة مصراتة لمناقشة الأزمة الليبية، خاصة أن هذه القيادات كانت قد قاطعت المؤتمر السابق الذي انعقد في باريس في أواخر مايو /أيار الماضي، وحذرت وقتها مجموعة الأزمات الدولية من «النتائج العكسية» لمؤتمر باريس على أطراف الصراع لعدم اعتباره مصراتة التي تملك أقوى الميليشيات المسلحة في مناطق غرب ليبيا من ضمن القوى الرئيسية الأربع التي تمت دعوتها إلى الاجتماع، ورأت المجموعة أن يكون إعلان باريس مفتوحاً وخالياً من التعهدات، وحذرت من أن أي خيار آخر من شأنه أن يزيد من التوترات السياسية في البلاد ومن عدائية الأطراف التي تشعر بأن المبادرة الفرنسية أقصتها وعملت على تهميشها.
وفي الواقع لعبت إيطاليا دوراً كبيراً في إفشال إعلان باريس وأجهضت مع الأطراف والمجموعات التي تدعمها في غرب ليبيا قيام انتخابات رئاسية وتشريعية في الموعد الذي حدده الإعلان في ديسمبر /كانون الأول المقبل وعادت روما لتؤمن في باليرمو قيام الانتخابات في الربيع المقبل.
لقد أظهر مؤتمر باليرمو الخلافات العميقة في الساحة الليبية ومحاولة الفصائل إقصاء بعضها بعضاً ورفضها الجلوس حول مائدة التفاوض، وبرز هذا الموقف بشكل جلي عندما أعلن قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر رفضه الاجتماع أو مجرد الالتقاء مع فصائل ليبية وأطراف إقليمية يعتبرها السبب المباشر في استمرار معاناة الشعب الليبي وإطالة أمد الأزمة بدعمها تيارات الإسلام السياسي.
ويعتبر اللقاء الذي جمع حفتر بخصمه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج – بحضور رئيس الوزراء الإيطالي والرئيسين المصري والتونسي وبعض رؤساء الوفود – أهم ثمرات المؤتمر حيث وافق حفتر على قيام الانتخابات في الموعد المقترح في الربيع المقبل.
وأخيراً، فإن المسألة الأخرى المهمة التي خرج بها مؤتمر باليرمو هي مسألة الدعوة لمؤتمر وطني جامع لليبيين داخل بلادهم في مطلع العام 2019 وهو أمر يتطلب جهداً وعملاً مضنياً من المبعوث الأممي غسان سلامة، وفي حال تحقق عقد هذا اللقاء فإنه بلا شك سيكون البداية الصحيحة لحل الأزمة الليبية بعيداً عن التدخلات الإقليمية والدولية. فهل ينجح المبعوث الأممي في حمل الليبيين على الجلوس والتفاوض حول مائدة مستديرة لإنقاذ بلادهم؟

alzahraapress@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى