قضايا ودراسات

رابحون في ماراثون «بريكست»

فيصل عابدون

مهما تباينت تقييمات الخبراء والسياسيين حول سياسات الربح والخسارة في قضية الخروج البريطاني من عضوية الاتحاد الأوروبي، فإن هناك مكاسب للجميع من هذا الماراثون، مكاسب سياسية واقتصادية وأيضاً أخلاقية وعلى نطاق المبادئ والقيم المشتركة. مكاسب وأرباح قد تختلف نسبتها ومستوياتها لكنها مؤكدة. لن يكون هناك خاسرون بالشكل التقليدي المعروف لقوانين السوق والمنافسات السياسية.
فالعملية نفسها غير تقليدية بشكل غير مسبوق، وهي شديدة التعقيد ومتشعبة وتتخطى آثارها دول القارة الأوروبية والمملكة المتحدة إلى العالم كله. وتضم في تلافيفها قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، فهي تمثل ظاهرة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلاقات الدولية.
وما يجعل قضية البريكست تكتسب كل هذه الأهمية أنها ترتبط بالعضوية في تكتل سياسي واقتصادي يمثل في ذاته نقلة كبرى ومرحلة جديدة في التطور الدستوري للدول والهيئات المشتركة. فالاتحاد الأوروبي ليس كياناً يسعى لتنسيق مواقف أو تعزيز التعاون بين دول أعضاء في قضايا بعينها، بينما تحتفظ كل دولة باستقلالها وسيادتها الكاملة، ولا هي عملية تكامل أو نظام فيدرالي من نوع ما، لكنه عملية اندماج كاملة تنظمها قوانين صارمة حول التجارة والاقتصاد والسياسة والحدود والعملة.
وهي بالتالي صيغة أكثر تطوراً وأشد تعقيداً من منظمة الأمم المتحدة التي أنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كما أنها تتفوق بمراحل على التشكيلات العسكرية المشتركة ومن بينها حلف شمال الأطلسي الذي أنشئ لمواجهة الخطر السوفييتي على الغرب.
وبسبب كل هذه العوامل وفرادة التكتل نفسه وريادته في التجارب السياسية المعاصرة فإن الانضمام للتكتل أو مغادرة صفوفه لم يكن أبداً ولن يكون عملية سهلة. وبينما لا تزال دول مثل تركيا وأوكرانيا وقبرص على قائمة الانتظار للانضمام إلى الاتحاد فإن الحالة البريطانية تعتبر الوحيدة التي قررت مغادرته.
وجاء قرار البريطانيين بالخروج ضمن مناخات ملتبسة، ويعتبر كثيرون في الجانب الأوروبي أن الاستفتاء الذي دعا إليه رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، كان خطوة غير ضرورية ومتسرعة وهم بالتالي لا يعتبرون بريطانيا عدواً أو منافساً حتى. كما أن إصرار رئيسة الوزراء الحالية تيريزا ماي على المضي قدماً في تنفيذ قرار الطلاق رغم معارضتها ونصف الشعب البريطاني له، إنما يمثل انتصاراً للقيم الديمقراطية.
ويشجع هذا الالتزام الصارم بالقيم المشتركة الأوروبيين على التحلي بالمرونة عندما يدخل الخبراء غابة القوانين المعقدة لتنظيم العلاقات المستقبلية مع الدولة المغادرة بشكل يحفظ حبال الود والتعاون والمصالح الأخرى.
على الجانب الأخر، فإن مخاوف احتمالات تقسيم المملكة المتحدة وانفصال إيرلندا واسكتلندا، لا تعتبر إذا حدثت خسارة ترتبط بعملية البريكست، فهي مطالب قديمة. لكن إذا نجحت مفاوضات الشوط الأخير من العملية فمن المتوقع أن تتراجع هذه المطالب لصالح الوحدة البريطانية الحليفة للاتحاد الأوروبي. كما أن أنصار الوحدة الأوروبية قد ينجحون في مرحلة ما في تنظيم استفتاء جديد للعودة إلى عضوية التكتل. وقد عبر القادة الأوروبيون بالتلميح والتصريح في مناسبات عديدة على أنهم يتركون الأبواب مفتوحة لعودة محتملة للمملكة المتحدة إلى عضوية الاتحاد.
لا توجد خسائر يصعب تعويضها في عملية البريكست، وفي المقابل توجد مكاسب مؤكدة بالنسبة للطرفين محل الخلاف. وبالنسبة للعالم كله فقد وفرت النقاشات مرجعيات جديدة في الفقه الدستوري والسياسي. وهو مكسب كوني لا يستهان به.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى