قضايا ودراسات

شعب الشهداء والشعراء

يوسف أبو لوز

لسان حال الفلسطيني من المثقف إلى الشعبي إلى ابن المخيم يشكر الفنان اللبناني مارسيل خليفة الذي حوّل الغناء إلى قيمة ثقافية أخلاقية وطنية، كما حوّل الشعر إلى نشيد موسيقي.
غنّى مارسيل خليفة قصائد من شعر محمود درويش من دون أن يلتقي المغني والشاعر على رغم أنهما في مدينة واحدة: بيروت خيمة الفلسطيني الأخيرة، ولكن مارسيل الموسيقي، الإنساني، والوطني، والذي يحمل في قلبه روح شاعر لم يغنِّ فقط لدرويش، بل غنّى أيضاً لشاعر يبدو وكأنه سقط من الذاكرة الفلسطينية. إنه علي فودة، شاعر الرصيف البيروتي، الشهيد الشاعر الذي سفكت دمه قذيفة «إسرائيلية» في أثناء معارك الاجتياح «الإسرائيلي» لبيروت في صيف 1982.
غنّى مارسيل خليفة لعلي فودة قصيدة تلخّص وطنية فودة، وتعبّر عن تعلّقه الأصيل ببلاده.. هذا التعلّق الذي ترجمه عملياً إلى فعل استشهاد: «إني اخترتك يا وطني حباً وطواعيةً، إني اخترتك يا وطني سرّاً وعلانيةً، إني اخترتك يا وطني فليتنكّر لي زمني ما دمتَ ستذكرني يا وطني الرائع، يا وطني».
ولكن «وطن» علي فودة لم يتذكره، والمقصود ب «الوطن» هنا المؤسسات الثقافية الفلسطينية الرسمية والأهلية التي تراوح، كما يبدو، بين التجاهل والنسيان: تجاهل شعراء فلسطينيين لا يجب نسيانهم، أو القفز على تراثهم الشعري وجوهره فلسطين.
كان علي فودة كما وصفه الشاعر أمجد ناصر الذي عاش في الثمانينات في بيروت أيضاً «مولعاً بالضحك العالي، يوزع الفوضى والضحكات العارمة، ودوداً، وإنسانياً على نحو لا يُصَدّق».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن السِّير الذاتية للشعراء الفلسطينيين الرّاحلين هي مهمة أدبية وثقافية بالدرجة الأولى، وهي مهمة المؤسسة الثقافية الفلسطينية وطنياً وأخلاقياً؛ لأن هذه السِّير إلى جانب كونها سير أفراد، هي أيضاً سيرة وطن، ورواية بلاد وشعب.
تساقط من شجرة الشعر الفلسطيني في العقدين الماضيين الكثير من «أوراق الزيتون»: فواز عيد، أحمد دحبور، محمد القيسي، علي فودة، محمود درويش، سميح القاسم، وقبل ذلك ذهب مع الريح أو ذهب في الرّيح توفيق زيّاد، فدوى طوقان، إبراهيم طوقان، معين بسيسو، عبداللطيف عقل، عبدالكريم الكرمي، راشد حسين، طه محمد علي، كمال ناصر. وما هذه الأسماء سوى رأس القائمة، فالشعر الفلسطيني نصفه شعراء، ونصفه الآخر شهداء.
رواية هذا الصف الطويل ممّن عمّدوا بلادهم بالشعر هي رواية فلسطين نفسها. رواية التراجيديا التي تزحف إلى السبعين عاماً من الدموع التي تتحوّل إلى قمح صغير تعيش عليه طيور الكرمل.

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى