قضايا ودراسات

أي استقلال لأي لبنان؟

محمد نورالدين

احتفل لبنان بعيد استقلاله الخامس والسبعين الذي أعلن في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1943. وكان في ذلك من بين أوائل الدول العربية التي استقلت عن الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي.
تحركت القيادات اللبنانية في الأيام الأخيرة ما قبل الاستقلال لتحاصرها سلطات الانتداب الفرنسي ومن ثم تتفاعل الحالة الاعتراضية مع حركة الشارع، لتنتج في النهاية استقلالاً يرغب فيه الشعب.
كان استقلالاً إلى حد ما «نظيفاً»، سقط خلاله شهيد واحد وبعض الجرحى، لكنه في النهاية استقلال تنشده كل الدول والشعوب.
لكن لبنان كان أول دولة عربية ومشرقية يعتمد في نظامه السياسي أسساً طائفية أورثت البلاد حالة من عدم الاستقرار. فعلى امتداد سنيه لم يعرف لبنان استقراراً أهلياً فعلياً. فتكررت الاضطرابات عند كل أزمة سياسية سرعان ما كانت تتحول أو يحولونها إلى أزمة طائفية والطائفية منها براء. كانت الطائفية غطاء وشمّاعة للكثير من التجاوزات والنهب أو البقاء في السلطة. وعلى هذا تكررت الأزمات مرة كل عشر سنوات بدأت أولاها في العام 1958 وبدأت ثانيتها عام 1967 ومن ثم نشوب الحرب الأهلية عام 1975 والتي استمرت 15 عاماً ولم تنته إلا باتفاق الطائف.
نجح النظام اللبناني، في أن يحافظ على نفسه دون تجديد في أوصاله، ما أتاح للطبقة السياسية الحاكمة منذ الانتداب الفرنسي أن تستمر في السلطة ويتوارث أبناؤها الحكم أباً عن جد؛ لذا فإن العائلات السياسية الحاكمة اليوم هي نفسها التي كانت منذ بداية الانتداب، كانت الطائفية كلمة السرّ في إدامة عمر النظام السياسي أو ما عرف «بالصيغة اللبنانية». وبعدما كان النظام برأس واحد قبل الطائف تحول إلى نظام بعدة رؤوس، وبات كل زعيم رأساً يملك حق الفيتو على أي مسألة لا تناسبه وتتحول إلى معضلة طائفية.
ومن هنا اخترع اللبنانيون مصطلح «الديمقراطية التوافقية»، والذي يعني أنه لا يمر حل لأية قضية إلا بموافقة وتوافق كل الأطراف حتى إذا اعترض أحدها توقف الحل وانهار. وبما أن المصالح كانت تتباين، فإن الحلول غالباً ما كانت تأتي باهتة لا تخدم مصالح الناس بل زعمائه.
تحول النظام اللبناني تالياً إلى نظام محاصصة، تقاسم الزعماء، باسم الطوائف، ثروات الدولة ومواردها وتجاوزوا كل القوانين معطلين القضاء الذي أصبح جزءاً من تلك المحاصصة التوافقية.
لذا استغرق تأليف الحكومات بعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005 أسابيع وأشهراً بل سنوات، وكلما حان موعد انتخاب رئيس للجمهورية كان لبنان يحتاج إلى مؤتمرات وسنوات لانتخاب رئيسه، أما تشكيل الحكومات فحدّث ولا حرج؛ حيث تعلن الأحزاب أسماء وزرائها قبل أن يعلنها رئيس الحكومة المكلف.
وفي ظل ذريعة الميثاقية الطائفية والتوافقية تحول لبنان إلى أكبر مصنع لإنتاج الفساد، يشهد على ذلك هذا الكم الهائل والمعيب من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية؛ بحيث لا تجد أي قضية حلا جذرياً لها، فالنفايات في الطرقات لترفد انتشار أمراض السرطان بجرعة إضافية أو في البحر لتلوثه وتقضي على ثروته السمكية، والمياه المقررة للشرب تأتي إلى البيوت مختلطة برائحة وطعم مياه مجارير الصرف الصحي. والأدوية تنقطع فجأة وهي بأسعار عالية، أما الكهرباء فهي ملك مافيا المولدات الخاصة؛ حيث لم تتفق الطبقة الحاكمة منذ ثلاثين سنة على مجرد بناء معامل على الأرض وهي ألفباء حل المشكلة. وقبل أيام انفجرت فضيحة مجارير الصرف الصحي في إحدى مناطق بيروت، لأن إحدى الجهات أغلقت جزءاً منه بالباطون المسلح بتواطؤ الجهات الرسمية حتى لا تتأذى من مياهه ورائحته إحدى المنشآت السياحية البحرية المخالفة في الأساس.
أما في مجال البيئة، فالمخالفات تفتك بطبيعة لبنان الخضراء نتيجة عمل الكسارات والمقالع، وقد تحول أكبر نهر في لبنان أي نهر الليطاني نتيجة المخالفات إلى أكبر مجرور للصرف الصحي والسموم في لبنان من منبعه إلى مصبه ولم يعد صالحاً لا للسباحة ولا للري ولا لأي شيء آخر.
بعد 75 عاماً على استقلال لبنان يتساءل اللبنانيون عن أي استقلال نتحدث وبأي استقلال نحتفل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى