قضايا ودراسات

بين كيسنجر وترامب

د. حسن مدن
في تسجيلات محادثات هاتفية بين وزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر والصحفيين، خاصة النساء منهن، أفرج عنها في العام 2005، نقرأ الحوار التالي بين كيسنجر والمذيعة الشهيرة في شبكة التلفزيون الأمريكية «إن بي سي» باربرة وولترز، التي كانت تحاول إقناعه بإجراء حوار تلفزيوني معه.
قالت المذيعة مخاطبة كيسنجر: «أنت شخص مملوء بالهراء، فكيف تكون رائعاً وساحراً ومثيراً للاهتمام، وذكياً ونابغاً..إلخ. هذا سؤال سأطرحه عليك في المقابلة».
دعكم من الجزء الثاني من العبارة أعلاه، وقفوا عند جزئها الأول: «أنت شخص مملوء بالهراء»، وتخيلوا لو أن إعلامياً قالها للرئيس الحالي دونالد ترامب، وردة فعله المتوقعة حكماً من الطريقة التي يتصرف بها مع الصحافة، والتي وجدت مثالاً صارخاً لها في تعامله مع مراسل «سي. إن سي» في البيت الأبيض جيم أكوستا، حيث لم يتردد بإسكاته بفظاظة مراراً، واصفاً إياه بالوقاحة، قبل أن تحاول إحدى موظفات البيت الأبيض استعادة الميكروفون منه.
لكن قاضياً اتحادياً في واشنطن ألزم إدارة ترامب بإعادة أوراق اعتماد كبير مراسلي «سي إن إن»، على الفور، وعلى مضض انصاع البيت الأبيض للحكم القضائي لكنه عمّم رسالة قواعد سلوك الصحفيين نصّت، بشكل خاص، على وجوب «طرح سؤال واحد فقط»، إذا أتيحت للصحفي الفرصة لذلك؛ لكي لا يفقد تصريح دخوله إلى البيت الأبيض، ومن ثم إعطاء الميكروفون لزملائه.
مشاكل ترامب مع الصحافة لم تبدأ بما وقع مع جيم أكوستا في المؤتمر الصحفي المشار إليه، فهو في نزاع مع الصحافة منذ حملته الانتخابية، التي يرى أن «سي إن إن» ووسائل إعلام أخرى لم تغطها بحياد، واصفاً تقاريرها ب «المزيفة».
لم يحسن ترامب التعامل مع الصحافة، كشأنه في قضايا أخرى كثيرة، في بلد مثل الولايات المتحدة، تشكل فيه الصحافة سلطة رابعة بالفعل، يحسب لها ألف حساب، ومن المتعذر تقييد حريتها، على الأقل في حدود قواعد اللعبة السياسية في البلد، المحكومة بتوازن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهو توازن يجعل السياسيين هدفاً سهلاً لرجال ونساء الإعلام إن استخفوا به.
ربما كان على ترامب أن يتعلم شيئاً من كيسنجر الذي عرف كيف يكسب ود الصحافة، حيث نقرأ قوله لناشرة «واشنطن بوست» كاثرين جراهام: «أشعر بالجنون والغضب تجاهكم، ولكني أتّصل بك لأمر تافه وعبثي، حيث أصبح لديّ مكتب جديد أرغب أن ترَيْهِ»، ولا يتردد أن يستجيب لدعوة من إعلاميين على العشاء رغم كثرة مشاغله.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى