قضايا ودراسات

تأخير الانتخابات أم تبكير الحرب؟

حافظ البرغوثي

ألقى رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو حية تسعى بين «الإسرائيليين»، وبث فيهم الرعب، بالحديث عن حدث أمني خطير تواجهه «إسرائيل»، ما منعه من توجيه ضربة قوية لحركة حماس في غزة أثناء الاشتباك الصاروخي الأخير. كان الحديث عن الحدث الغامض كقنبلة موقوتة توقع «الإسرائيليون» انفجارها في أية لحظة، ما مكن نتنياهو من لجم الأصوات المطالبة له بالاستقالة والحفاظ على حكومة ضيقة برلمانياً بأغلبية صوت واحد. بالطبع سَرَت تكهنات كثيرة حول الحدث الأمني الغامض، فمنهم من ربطه بالعملية الفاشلة للتجسس في خان يونس، والتي راج حولها لغط كثير، وما إذا كانت مرتبطة بتحديد مواقع مهمة تشمل أسلحة صاروخية بعيدة المدى، أو أنها كانت تجمع معلومات عن مخابئ بعض القادة لاغتيالهم، لكن هناك من تحدث عن تطورات حرجة في الشمال.
هناك من يرجح أن الحدث ليس أمنياً، بل هو سياسي، خشية أن تؤثر نتائج أي عدوان في العملية السياسية والدبلوماسية التي يقوم بها في المنطقة مما يفشلها، لكن هناك من يعتقد أن نتنياهو لا يريد انتخابات مبكرة يخسر فيها بعض مقاعده لصالح حلفائه من اليمين، وليس هناك حدث أمني، بل مجرد غطاء للوصول إلى انتخابات متأخرة ليس إلا.
ومهما يكن، فإن حكومة اليمين بدأت تئن تحت وطأة المعارضة، حيث أفشلت الأخيرة تمرير سلسلة من القوانين في الكنيست، مما حدا برئيسها نتنياهو إلى الصراخ في وجه حلفائه، لأنهم تركوا نوابهم أحراراً في التصويت. ورجح بعض المحللين المقربين من الليكود أن تكون تطورات في ترسانة حزب الله الصاروخية هي الحدث الأمني، وهي مزودة بمنظومة توجيه «جي بي إس»، مما يستدعي معالجة أخطارها أو العمل على إحباطها دبلوماسياً بواسطة روسيا أو عسكرياً.
الوضع في سوريا ولبنان بات معقداً بالنسبة للاحتلال، وحديث «إسرائيل» عن وصول أجهزة توجيه لصواريخ «حزب الله»، تردده «إسرائيل» منذ حوالي العام، وبالتالي فإن تجدد الحديث عنه الآن هو مبرر للتصعيد. لكن الخطر هو ما تشكله المضادات الصاروخية الروسية التي بحوزة دمشق، وهي من طراز «إس إس 300» التي بوسعها تغطية لبنان أيضاً. فهل الحدث كان يقصدها، وهل تمكنت دمشق من نشرها، وأصبحت طواقمها قادرة على استخدامها؟ وفور ذلك أعلن جيش الاحتلال مناورات عسكرية في الشمال تحاكي اشتباكاً مع حزب الله للتدريب على مواجهة أجهزة التشويش على الاتصالات للطائرات «الإسرائيلية» وعلى مواجهة الصواريح الدقيقة وإحباطها.
عموماً هناك توقعات بتصعيد ما، سواء في الجنوب، أي غزة، أو في الشمال أي سوريا أو لبنان، خاصة أن الأسطول السادس الأمريكي بدأ يقترب من سواحل شرق البحر المتوسط. لكن بعض المحللين «الإسرائيليين» يقولون إن هناك تصعيداً ما، لكن لن يرقى إلى شكل حرب كبيرة. وأغلب الظن حسب ما يمكن لمسه على الأرض، فإن جبهة غزة مازالت ساخنة، ومازال الإعلام «الإسرائيلي» وقادة الأحزاب يمينها ويسارها تطالب بالدم، وشن حرب على غزة، واغتيال قادة الفصائل المسلحة، وتصاعدت موجة المطالبة بالاغتيالات يوماً بعد يوم، ووصل الأمر بقادة عسكريين ووزراء بالمطالبة باجتياح غزة وإعادة احتلالها مجدداً، وتدمير البنية التحتية العسكرية، واغتيال السنوار.
على الصعيد السياسي، تحاول مصر نزع فتيل التوتر، واستدعت قادة الفصائل إلى القاهرة للتشاور، وبحث معضلة التهدئة، والمصالحة معاً. ويقال إن مصر أخذت موافقة من حركة حماس على العودة لتنفيذ اتفاق المصالحة، وفي هذه الحالة تكون التهدئة تحصيل حاصل لا تحتاج إلى مزيد من المشاورات، لكن عادة تبرز عقبات معرقلة في آخر لحظة، تعيد تعقيد الوضع. «الإسرائيليون» أبلغوا الوسطاء، خاصة قطر والمبعوث الدولي ميلادينوف، أنهم لن يمنعوا إيصال الأموال القطرية والوقود إلى غزة، وأن الوقود ظل ينقل إلى غزة أثناء الاشتباك الأخير، وخطوط الكهرباء «الإسرائيلية» التي تزود غزة ب130ميجا واط، ظلت تعمل، بمعنى أنهم مازالوا ضمن تفاهمات التهدئة، لكن لا أحد يعلم ما هو الحدث الأمني الذي اخترعه نتنياهو، فهو كسياسي اشتهر بالكذب، ويمكنه اختراع حدث كاذب لتأخير الانتخابات. أم أنه يريد تبكير الحرب؟

hafezbargo@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى