قضايا ودراسات

العرب والفلسطينيون

عبدالله السويجي

هل حقاً لم تعد القضية الفلسطينية أولوية عربية كما تشير التسريبات العربية و«الإسرائيلية» والأمريكية، أم أن واقع القضية الفلسطينية في السياسة العربية لم يتغير منذ سنوات طويلة ولاسيما بعد توقيع اتفاق أوسلو في بداية تسعينات القرن الماضي، أم أن السياسة الفلسطينية هي التي تغيرت ولم تعد المطالب كما كانت قبل توقيع الاتفاقيات، أو على الأقل بعد توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد؟
لم يكن سقف مطالب العرب في يوم ما أعلى من مطالب الفلسطينيين في صراعهم مع دويلة الاحتلال، ومجمل المواقف العربية لم تخرج عن موافقة العرب عما يريده الفلسطينيون، وقد اتضحت هذه المواقف بعد إعلان الفلسطينيين عن القرار المستقل وبأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في مؤتمر الجزائر في العام 1987، وهذا القرار كما يراه محللون عرب كان متعجلاً لأنه جعل القضية الفلسطينية محصورة في منظمة التحرير.
ويبدو أن المنظمة بعد خسارة وجودها القوي في لبنان في العام 1982 بعد اجتياح الجيش «الإسرائيلي» لبيروت وإخراج المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس واليمن والجزائر، بات موقفها العسكري ضعيفاً، ولم يعد أمامها سوى التمسك بالقرارات السياسية التي تعزز تمثيلها للفلسطينيين، وهذا أدى في النهاية، أو كان مقدمة للدخول في ماراثون طويل من المفاوضات مع «الإسرائيليين» انتهى بعد توقيع اتفاقية أوسلو، حيث بدأت «إسرائيل» تماطل بعدها، وخلال أكثر من20 عاماً من المفاوضات لم يحدث أي تقدم، بل وقع المزيد من الحروب والمذابح ضد الفلسطينيين.
ويمكن القول إن آخر المساعي العربية الجامعة بشأن القضية الفلسطينية كانت خلال قمة بيروت التي عقدت في مارس من العام 2002 وطرح مبادرة «الأرض مقابل السلام»، وهي مبادرة اقترحتها المملكة السعودية، وقد حظيت بإجماع عربي خلال القمة. وطالبت المبادرة «إسرائيل» بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري المحتل وحتى خط الرابع من يونيو/حزيران 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو/حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية. وفي المقابل تعتبر الجامعة العربية الصراع العربي- «الإسرائيلي» منتهياً، والدخول في اتفاقية سلام مع «إسرائيل» مع تحقيق الأمن لجميع دول المنطقة. وإنشاء علاقات طبيعية معها في إطار هذا السلام الشامل، وضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة. وقد رد إيريل شارون وقتها بالقول إن المبادرة لا تساوي الحبر الذي كتبت به.
ويبدو أن قمة بيروت في العام 2002، طرحت مبادرتها بعد مرور تسع سنوات، وبعد أن أدرك العرب مماطلة «إسرائيل» في تنفيذ اتفاقية أوسلو التي تدعو إلى إقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي الأراضي التي أشارت إليها مبادرة الأرض مقابل السلام بشكل أو بآخر، والأمر الوحيد الذي يختلف عن مبادرة أوسلو هو استعداد العرب للتطبيع وإقامة علاقات مع «إسرائيل». وبدلاً من أن ينتهز الساسة «الإسرائيليون» هذه المبادرة استهانوا بها واعتبروها تنازلاً من العرب، وكل ما لمسوه فيها الاستعداد العربي للتطبيع معهم، وهذا يعني بالنسبة للساسة الصهاينة أن العرب أداروا ظهورهم للقضية الفلسطينية، وشرعوا في بث الانقسام بين الفلسطينيين والعرب من خلال تصريحات كثيرة وأهمها ما صدر عن مسؤول «إسرائيلي» مؤخراً من أن العرب غير مهتمين بالقضية الفلسطينية وهي لا تشكل أولوية. وقبل ذلك، صرح مسؤول آخر بأن نصف الشعب العربي سيطلب اللجوء إلى «إسرائيل» إذا فتحت الأخيرة أبوابها. ومؤخراً أطلق ترامب المثير للجدل تغريداته اللئيمة حول «إسرائيل» وبعض الدول العربية بهدف زرع الفتنة بين الأشقاء. فالقيادات الصهيونية تلعب منذ زمن على وتر التشكيك بالالتزام العربي تجاه القضية الفلسطينية وتعتقد أن بإمكانها أن تكون حليفة للعرب في مواجهة إيران، وهذا حلم «إسرائيلي» بعيد المنال رغم كل ما يحدث من سياسات في المنطقة، لكن «إسرائيل» تفهم الرسالة بشكل خاطئ كلياً وتظن أن بوادر التطبيع قد بدأت.
في الواقع يتحمل القادة الفلسطينيون ما تعتقده «إسرائيل» بشأن هذه التقاربات، من خلال المواقف المائعة التي يتخذونها ضد دويلة الاحتلال، ومن خلال انقسامهم، وأيضاً تنازلهم عن ثوابت تخص اللاجئين والقدس. فكيف سيتوحد العرب خلف قيادة منقسمة ومتفرقة وبعضها يقيم تحالفات مع دول غير عربية وسياساتها عدائية للعرب؟
لو كانت القيادة الفلسطينية غير منقسمة ولديها مواقف واضحة وصريحة في صراعها مع دويلة الاحتلال، ولو كانوا صادقين وحقيقيين لأجبروا الدول العربية على اتخاذ مواقف أكثر تشدداً.

suwaiji@emirates.net.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى