قضايا ودراسات

سوريا بين واشنطن وموسكو

يونس السيد

ثمة ما يدعو إلى وقفة تأمل في تصريحات المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري، حول رغبة واشنطن في انسحاب كل القوات الأجنبية من سوريا بما فيها القوات الأمريكية، باستثناء القوات الروسية، شريطة انسحاب القوات الإيرانية من هذا البلد الذي دمّرته الحروب على مدار نحو سبع سنوات.
التصريحات بحد ذاتها مثيرة للدهشة، ليس لأنها فقط تعترف بالحق الحصري لروسيا بالتواجد في سوريا، باعتبارها موجودة أصلاً قبل اندلاع الإحداث، ولها مصالح وقواعد عسكرية بحرية وبرية في هذا البلد، وإنما لأن أحداً من اللاعبين الأساسيين لم يتحدث بهذا الوضوح عن مستقبل سوريا، في وقت لا تزال البلاد مقسّمة وتعيش تحت وطأة الحرب، والأهم من ذلك أن مسار التسوية وإيجاد حل لهذا الصراع الدامي لم ينطلق بعد. فما الذي كان يدور في عقل واشنطن لدى إطلاق هذه التصريحات؟
يمكن أن يساعد في فهم ذلك، تصريحات لاحقة نقلتها وسائل إعلام «إسرائيلية» عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أن روسيا اقترحت على الولايات المتحدة «مقايضة» العقوبات الأمريكية على إيران مقابل خروج قواتها من سوريا، لكن موسكو سارعت على لسان نائب وزير الخارجية سيرجي ريابكوف إلى نفي هذه التصريحات، تبعه وزير الخارجية سيرجي لافروف بالإعلان عن رفض موسكو لأي صفقات أو تحديد مهلة زمنية للمفاوضات.
لكن المتابعة تظهر أنه لا يوجد «دخان بدون نار»، فموسكو ألمحت إلى أنه كانت هنالك أفكار من نوع «رفع العقوبات مقابل شيء ما، لكن هذه الأفكار لم تحصل على متابعة»، فيما اعتبرت «إسرائيل» أن هذه الأفكار «أولية وضبابية»، تهدف إلى جس نبض واشنطن و«تل أبيب»، لكنها مثيرة للاهتمام، بينما تحدثت مصادر أمريكية، ومنها مستشار الأمن القومي جون بولتون عن رفض مثل هذه الصفقة، غير أن تسريبات إعلامية، في هذا المجال، تشير إلى أن هذا المقترح قد يكون حاضراً في المباحثات بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما المرتقب على هامش قمة العشرين في الأرجنتين.
أياً تكن الأمور، فإن المعطيات على الأرض، لا تزال تدحض إمكانية حدوث صفقات من هذا النوع، فالعقوبات على إيران لها علاقة جزئياً بما يحدث في سوريا، لكن ذلك يتوقف على قبول دمشق وطهران بصفقات من هذا النوع، ومدى قدرة موسكو على الضغط في هذا الاتجاه، ما يثير العديد من التساؤلات حول الهدف الحقيقي من كل هذه التصريحات. بعض المحللين يرى أنها تهدف إلى إحداث شرخ في العلاقات بين موسكو وطهران، خصوصاً أن الأخيرة سترفض قطعاً هذه المقترحات، كما أن النظام في دمشق لا يريد ذلك، وهناك من يعتقد أن واشنطن اقتربت من إنهاء تواجدها في سوريا، وبالتالي تريد تحقيق هدف من نوع إخراج القوات الإيرانية تحت مظلة انسحاب كل القوات الأجنبية، لكن لا يوجد أي ضمانة لذلك، فواشنطن قادرة على إيجاد الكثير من الأسباب لعدم مغادرة سوريا حتى لو غادرها الإيرانيون، بحسب هؤلاء المحللين، كما أن واشنطن إذا كانت قادرة على إعادة ترتيب المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في شرق الفرات بعد انتهاء معركة «داعش»، فإنها لا تملك أي تأثير في القوى المتطرفة والمصنّفة «إرهابية» في إدلب وشمال غربي سوريا، وبالتالي فإن الأوضاع قد تعود إلى الانفجار من جديد ما لم تبدأ عملية جادة لتسوية الأزمة السورية قبل أي صفقات.

younis898@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى