قضايا ودراسات

الإرهاب والمصطلح الغامض

نبيل سالم
يتزايد الحديث عن محاربة الإرهاب في العالم، لدرجة باتت فيه عبارة «محاربة الإرهاب» أشبه باللازمة التي لا بد من وجودها في أي بيان صادر عن أي اجتماع دولي، وباتت هذه العبارة من أكثر العبارات التي ترددها أجهزة الإعلام صباح مساء، كالنشرة الجوية، لدرجة بات من الصعوبة على البعض تفسير معناها بدقة، وفهم الحالات التي تستخدم فيها.
وعلى الرغم من أهمية محاربة الإرهاب باعتباره عملاً إجرامياً لا أخلاقياً، وخاصة عندما يستهدف الأبرياء والمسالمين، إلا أنه مع الأسف فقدت عبارة محاربة الإرهاب معناها لأسباب عدة، أبرزها نوعية الجهات التي تستخدمها؛ إذ إن أكثر من استخدم هذه العبارة هم الأمريكيون و«الإسرائيليون»، وبعض القوى الغربية التي تماثلهما في التفكير والنهج السياسي، ولهذه الجهات كما هو معروف سجل حافل بالأعمال الإرهابية التي يندى لها الجبين.
كما أن محاولات هذه القوى وصم الكفاح التحرري للشعوب المستضعفة بالإرهاب، حدا بالكثيرين إلى المطالبة بإيجاد تعريف دقيق للإرهاب، وتحديد المعنى الحقيقي لهذه الكلمة التي تحولت مع الزمن إلى مصطلح فضفاض تستخدمه كل جهة بما يتناسب ومصالحها الخاصة.
فكما هو معلوم تقوم فلسفة الإرهاب على إنهاك أو تدمير المؤسسة أو الأشخاص الذين يعتقد الإرهابي أنهم أعداؤه، ونستطيع هنا أن نميز بين نوعين من الإرهاب، نوع له ما يبرره ويجعل منه الكي الذي لابد منه للعلاج، وهو النوع الذي تستخدمه الشعوب المضطهدة لإرهاب العدو، ومقاومته في إطار الحق المشروع في الدفاع عن النفس، وهو حق كفلته القوانين الدولية، أما النوع الثاني فهو الإرهاب الذي تمارسه بعض الأقليات أو القوى الخارجية وحتى الأفراد لفرض إرادتهم على الآخرين، وهذا النوع تمثله بوضوح القوى الاستعمارية والعنصرية، وأبرز أشكاله نظام الأبارتيد الذي كان قائماً في جنوب إفريقيا، والحركة الصهيونية التي ما زالت تمارس الإرهاب بكل أشكاله ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة.
ولأن الحركة الصهيونية استفادت كثيراً من التجارب الاستعمارية التي سبقتها، فقد أدركت هذه الحركة أن العنف والإرهاب قد لا يكفيان لقهر الشعوب، ولذلك أقدمت هذه الحركة مع الداعمين لها من القوى الاستعمارية على خوض الحرب بأفكار جديدة، وغزو العقل البشري بمصطلحات تصلح لكي تكون منطلقاً جديداً لتوسيع الهجمات الاستعمارية. حيث بات مصطلح محاربة الإرهاب الوصفة السحرية التي تستخدمها القوى الاستعمارية لتبرير تدخلها في الدول الأخرى والاعتداء على الشعوب أو سلب خيراتها.
ولذلك لا بد من وجود تعريف دقيق لمفردة الإرهاب لكي لا يتم الخلط بين الإرهاب المدان والذي يمثل جريمة أخلاقية كبرى، وبين مقاومة الشعوب المشروعة ضد الاستعمار والظلم، وهو ما تسعى إليه القوى الاستعمارية على اختلافها، لتبرر جرائمها التي لا تعد ولا تحصى، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاستخدام المفرط للأسلحة الفتاكة وذات مفعول الدمار الشامل والقتل الجماعي للبشر والبيئة، وهي أعمال قامت وتقوم بها القوى الاستعمارية الغربية والكيان الصهيوني باستمرار، وبطبيعة الحال فإن هذه الجرائم تمثل في الواقع أبرز مظاهر الإرهاب، وسبباً قوياً لانتشاره، على مبدأ أن أي فعل له رد فعل أيضاً.
ومن هنا لابد من القول إن القضاء على الإرهاب لا ينجح إذا لم يتم القضاء على أسبابه ومن أولى أسبابه الاستعمار بكل أشكاله العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بإنهاء السيطرة على مقدرات الشعوب؛ لأن ذلك من شأنه أن يحرم هذه الشعوب من مقدراتها وفرصها للتقدم والتطور، ويوقعها في براثن الجهل والتخلف، وهما كما هو معروف البيئة الأخصب التي تناسب الإرهاب، وتساعد على انتشاره وتزايده.
وعليه لابد من القول إن محاربة الإرهاب، هدف إنساني مشروع، ويجب أن تتكاتف كل الشعوب من أجله، ولكن عليها أولاً أن تبدأ بالقضاء على مبرراته التي يمثل الاستعمار أقواها.
وأخيراً لا بد من القول إن إحلال التعاون العالمي تحت سقف الإنسانية وتكامل الحضارات بدل صراعاتها لا يمكن أن يتم ما لم تنتهِ كل مظاهر الظلم والقهر المنتشرة في العالم، وإلا فسيبقى شعار مكافحة الإرهاب مجرد وسيلة يستخدمها الإرهابيون أنفسهم لتبرير إرهابهم وجرائمهم بحق الآخرين.

nabil_salem.1954@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى