قضايا ودراسات

هل جاء دور روسيا ؟

نبيل سالم

كم يبدو مثيراً للدهشة والاستهجان، بل والشفقة أحياناً، من لا يزال يراهن على الدور الأمريكي في محاربة الإرهاب؛ ذلك أن ممارسات وأفعال واشنطن في هذا الجانب، لم تترك مجالاً لأحد كي يراهن على هذا الدور، الذي انكشف بوضوح أكثر من مكان في العالم، وفي مقدمة هذه الأمكنة منطقة الشرق الأوسط الغارقة في الفوضي الأمريكية «الخلاقة»، التي بشرت بها كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ذات يوم.
فمن يتابع السياسة الأمريكية بتمعن لا يحتاج إلى مزيد من الفطنة، كي يكتشف الدور الأمريكي في تصنيع التنظيمات الإرهابية، ك«داعش» و«القاعدة» وتفريخاتهما، من منظمات الإرهاب العابرة للحدود، بالتنسيق الكامل مع الطغمة العسكرية الفاشية الحاكمة في «إسرائيل».
وبالعودة إلى التاريخ نشاهد كيف صنعت الاستخبارات الأمريكية، تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وسلحته بأفضل أنواع الأسلحة، تحت يافطة محاربة الاتحاد السوفييتي السابق، قبل أن توجه هذا التنظيم الإجرامي إلى الدول العربية بأسماء جديدة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ليمعن في إرهابه وجرائمه في أكثر من ساحة، بدءاً من الدول العربية إلى إفريقيا، وحتى وصلت جرائمه إلى أوروبا، وصولاً إلى الولايات المتحدة نفسها، التي استعملت هذه الجرائم فيما بعد ووظفتها، لاحتلال أكثر من بلد، بحجة محاربة الإرهاب، الذي تحول الآن إلى شعار ترفعه واشنطن، لتنفيذ أجنداتها الاستعمارية ليس في منطقتنا وحسب وإنما في العالم بأسره.
ويبدو واضحاً أن أمريكا التي تسعى للهيمنة على العالم، وتكريس أحادية القطب، تسعى بشكل حثيث إلى محاصرة كل القوى التي ترى فيها خطراً، أو مؤشراً على اقتراب نهاية هيمنتها على العالم، وفي مقدمتها روسيا والصين، حيث تسعى حالياً إلى افتعال المشاكل والصراعات لهذين البلدين، من أكثر من اتجاه، بالتعاون مع حلفائها في العالم. وآخر هذه المحاولات، استخدام أوكرانيا التي باتت تشكل مخلب القط بالنسبة لواشنطن، في افتعال المشكلات لروسيا، والضغط على موسكو وابتزازها في جبهات أخرى، كالشرق الأوسط.
ولعل هذا ما يفسر قيام القوات الأوكرانية، وعلى نحو مفاجئ بقصف جمهورية دونيتسك الشعبية المعلنة من طرف واحد في منطقة دونباس جنوب شرقي أوكرانيا بالمدفعية الثقيلة، لا سيما على أحياء دونيتسك، إضافة إلى قيام قطع بحرية أوكرانية باستفزاز القوات البحرية الروسية قرب جزيرة القرم عند مضيق كيرتش، ما أدى إلى وقوع اشتباك وإصابة سفينة أوكرانية واحتجاز ثلاث سفن.
وإذا ما علمنا أن حدود أوكرانيا لا تبعد أكثر من 300 كيلومتر فقط من موسكو. وأن أغلبية السكان في شرق أوكرانيا تعتنق المذهب الأرثودوكسي وتتكلم الروسية، ناهيك عن وجود قاعدة أسطول البحر الأسود العسكرية الروسية، ندرك بوضوح أبعاد هذا التحرك الأوكراني وأهدافه، التي في مقدمتها ممارسة الضغط على روسيا، ومحاصرة مناطق النفوذ الروسي، من أجل منع موسكو من عرقلة مشاريع أمريكا في المنطقة وبخاصة الشرق الأوسط.
والحقيقة أن واشنطن رأت في نتيجة انتخابات 2005 في أوكرانيا ونجاح «فيكتور يوشينكو»، فرصة من أجل تسريع التكامل بين أوكرانيا مع الغرب، حيث إنه وطوال الفترة التي قضاها في منصبه، كان يوشينكو، يهدد بطرد أسطول البحر الأسود الروسي من سيفاستوبول «Sevastopol» كما لم يُخف يوشينكو رغبته آنذاك في دمج أوكرانيا بالكامل في مؤسسات غربية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي.
ورأينا كيف بذلت أمريكا ما في وسعها لدعم ما سمي بالثورة البرتقالية التي جاءت ببيوشينكو إلى الحكم، والتي جعلت من أوكرانيا شريكاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة الأمريكية، التي زادت من حجم مساعداتها الاقتصادية لكييف لتحد من اعتماد أوكرانيا على روسيا اقتصادياً…
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما أعلنته موسكوحول رصدها طائرة استطلاع تابعة لسلاح الجو «الإسرائيلي» بالقرب من شبه جزيرة القرم، وتحليق هذه الطائرة لأكثر من ساعة قرب الحدود الروسية، قبالة سواحل البحر الأسود، يمكننا القول إن أصابع الولايات المتحدة و«إسرائيل» تبدو واضحة في هذه الأزمة الجديدة بين روسيا وأوكرانيا. فالجانبان الأمريكي و«الإسرائيلي»، يسعيان إلى الضغط على روسيا، بعد النجاح الكبير الذي حققته في الحرب على الإرهاب، لا سيما في سوريا، عبر توجيهها ضربات قاسية ومميتة لهذا التنظيم، في الوقت الذي تمد له الولايات المتحدة العون من تحت الطاولة، من أجل استمرار استعمال ورقة «داعش» في سياستها الابتزازية في المنطقة، وتبرير استمرار وجودها فيها.
أخيراً، إن ما شهدته العلاقات الروسية الأوكرانية من توتر مفاجئ، وقيام القوات الأوكرانية بقصف دونيتسك، ووقوع اشتباك بحري لم يكن ليحصل لولا الضوء الأخضر الأمريكي، الهادف إلى تطويق روسيا بنزاعات جانبية، لتعيد إلى الأذهان مرحلة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والإمبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت ولا تزال تفتعل الحروب والصراعات بين الدول من أجل مصالحها الاستعمارية والأنانية الضيقة.

nabil_salem.1954@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى