قضايا ودراسات

بحر آزوف بعد القرم

مفتاح شعيب

تدخل حادثة التوتر في بحر آزوف ضمن الصراع الروسي الغربي في تلك المنطقة من العالم، وإن تصدرت أوكرانيا عناوين الأخبار بعد احتجاز البحرية الروسية ثلاثا من سفنها في مضيق كيريتش، لتعلن كييف على الفور الأحكام العرفية وحالة التأهب لوجود «تهديد مرتفع للغاية»، بالتوازي مع استنفار الدبلوماسية الغربية، مع تسجيل اختلاف نسبي في النبرة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
أوكرانيا التي يتعمق عداؤها لروسيا منذ فقدانها شبه جزيرة القرم عام 2014، وجدت في الحادثة فرصة للصراخ بأعلى الصوت، فأطلقت نفيراً إعلامياً تضمن تظاهر آلاف المتطوعين في كييف للقتال، كما نقلت مشاهد لبعض الجنود وهم يحفرون الخنادق للإيحاء بأن الحرب واقعة لا محالة. وبطلب من روسيا وأوكرانيا انعقد مجلس الأمن وانفض دون موقف باستثناء السجالات المألوفة في مثل هذه المواقف، وقالت واشنطن، إن ما أقدمت عليه موسكو يمثل «انتهاكاً للقانون الدولي»، فيما أعلنت فرنسا وألمانيا عزمهما التوسط للتهدئة وحل الإشكال دون تداعيات، على الرغم من دعوات إلى فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا، مع القناعة بأن مثل هذه الإجراءات لن تغير في واقع الأمر شيئا، وربما تدفعه أكثر إلى المجهول.
الجدل الثائر لم تفجره «السفن الثلاث» المحتجزة، ففي أوكرانيا كان رد الفعل مبالغا فيه، وغايته إثارة ضجة جديدة، لإعادة الخلاف الروسي الأوكراني حول القرم إلى الواجهة، لا سيما أن تلك الأزمة بدأت تتلاشى تدريجيا من الأجندة الدولية، ولم يعد للغرب ما يحفزه لتصعيد الضغط على موسكو، بعدما عجزت كل الخطوات السابقة عن إحداث أي تغيير في الموقف الروسي، بينما يعتبر الرئيس الأوكراني بيترو بوروشنكو المعركة مع موسكو معركته الشخصية، ويحاول أن يكسبها بأي ثمن، ولذلك سارع إلى إعلان الأحكام العرفية التي تمنحه سلطة دستورية مطلقة، وجاء إعلان الطوارئ قبل أشهر قليلة يأمل بورشنكو كسبها والاستمرار في السلطة.
بالمقابل كان رد الفعل الروسي هادئا، ولم يسع إلى التصعيد، لكن الرئيس فلاديمير بوتين استهجن «الخطوات المتهورة» لنظيره الأوكراني، ودعا ألمانيا إلى تهدئته، في الوقت الذي يشير فيه مراقبون إلى أن روسيا ليست بحاجة إلى تصعيد عسكري في مضيق كيريتش. لكن قراءة في تصريحات عدة لمسؤولين روس سابقا، تؤكد أن موسكو وضعت خطوطا حمراء أمام تقدم حلف شمال الأطلسي إلى حدودها، وتعتبر أوكرانيا بسلطتها الحالية في قلب المواجهة، وبإمكانها أن تقوم، بالتنسيق أو منفردة، باستفزاز روسيا وجرها إلى خطأ فادح، بالتوازي مع حديث متواصل عن سباق عنيف للتسلح. ولهذا السبب قد لا يمكن التهوين من حادثة بحر آزوف، فإذ كانت العملية «مدبرة» ستكون التداعيات كبيرة وخطيرة وتضع الأمن والسلام الدوليين على شفير الخطر مرة أخرى.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى