قضايا ودراسات

لم ترسم الصراخ

يوسف أبو لوز

رسم الأب لطفله حصاناً.. كان حصاناً أبيض برقبة قوية جميلة. قوائم تطوي الرّيح، ذيل انسيابي ناعم كالحرير تؤخذ منه أوتار الكمنجات. رسم الأب حصاناً واقفاً في الحقل وقد رفع رأسه باتجاه الشمس، كما لو كان يلتهم الشعاع الذهبي في صباح دافئ، كانت صورة مكتملة بيد رسّام بارع.
فجأة، التفت الطفل ناحية أبيه الرسّام.. وقال: ولكنّك يا أبي لم ترسم الصهيل.
رسمت المرأة لطفلتها حمامة بيضاء، ناعمة، ذكية، متأهبة دائماً للطيران، رسمت لها قائمتين ورديتين وريشاً في خفة الليل، وكانت صورة مكتملة بيد امرأة حنونة تشبه الحمامة، لكن الطفلة، التفتت ناحية أمّها وقالت: ولكنّك يا أمّي لم ترسمي الهديل.
وأخيراً، رسم الرجل والمرأة معاً لوحة تصوّر شعباً سائراً إلى المجهول. شعب نصفه للجوع، ونصفه الآخر للطاغية، شعب في عربات الهجرة والغياب. شعب يتآكل ويبكي. و«نيرون» جالس على مقعد من خيزران، ويعزف لحنه الكئيب على كمنجة مصنوعة من عظام الأطفال. صورة مكتملة أيضاً في إطار كبير. أو أنها جدارية من لونين فقط: الأبيض والأسود. الأبيض بدرجاته، والأسود بدرجاته. وبينهما الرماديّ المحايد. الرمادي الصامت. الرمادي ابن الأبيض والأسود. أمّه (الأبيض)، وأبوه (الأسود)، وبينهما هذا الطفل الذي يلتفت إلى أبويه قائلاً:..ولكنّكما.. لم ترسما الصراخ.
كل لوحة فنية، تبدو، كما لو أنّها ناقصة. إن الاكتمال هو المعجزة في الفن، وفي الحياة، لا بل يبدو الاكتمال على أنه النهاية. وكما في رأي الرندي.. «لكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُ..».. يستطيع الشاعر أن يكتب الدم والدموع، ولكنه لا يستطيع أن يكتب الصراخ، تستطيع أن ترسم أسداً، ولكنك لا تستطيع أن ترسم الزئير. تستطيع أن ترسم البلبل، ولكنك لا تستطيع أن ترسم غناء البلبل.
إلى كل ذلك تنبّهنا نحن الكبار مخيلة الطفل.. هذا الكائن المكتمل في صغره، وكلما كبر، زاد اكتماله.
نعم.. مخيّلة الطفل التي غار منها ذات يوم «بابلو بيكاسو». وعلى كل هذه العبقرية حدّ الجنون في الرسم قال صاحب «المرحلة الزرقاء» إنه يحلم أن يرسم مثل طفل، وكلما بقي الشاعر مقيماً في طفولته كان شعره أشبه بباقة من العشب المبلل بالنّدى، والرسام أيضاً إذا غادرته فطرته وعفويته، فإنه يسرع في التقدم في العمر. يهرم وتجف ألوانه، وتتجعّد لوحته.
.. ولكن، ماذا عن الرّاوي؟ كل سرد، هو الآخر، يكتمل بنقصانه، وكل رواية كانت في الأصل حكاية صغيرة. وكل حكاية صغيرة كانت في الأصل كلمة، والكلمة كانت صوتاً.. ولكن، من يكتب الصوت؟؟

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى