قضايا ودراسات

«إسرائيل» دولة التطهير العرقي

عوني صادق

قبل أن تقوم «دويلة إسرائيل»، كانت سياسة التطهير العرقي موجودة في أذهان القادة الصهاينة في «الوكالة اليهودية» وخارجها. وقد اعتمدوا هذه السياسة في حرب 1948، ولم يعد ما ارتكبوه في إطار هذه السياسة موضع خلاف أو جدل بعد أن وثق بعض المؤرخين الصهاينة بعض أحداث تلك الحرب، وأصبح منهم من يطالب ب «الاعتذار» عن النكبة الفلسطينية وما ارتكبته العصابات اليهودية فيها. وإذا كان قيام «دويلة إسرائيل» على الإرهاب وسياسة التطهير العرقي لم يعد موضوعا خلافيا إلا عند غلاة الصهاينة والمتطرفين من أنصارهم، إلا أن الجدير بالاهتمام هو أن هذه «الدويلة» المارقة لا تزال تعتمد السياسات نفسها التي قامت عليها بعد أكثر من سبعة عقود على هذه القيامة!
لم تتوقف سياسة التطهير العرقي«الإسرائيلية» بعد انتهاء حرب 1948، وقد تم تدمير حوالي (530) قرية بعد تهجير السكان الذين تحولوا إلى لاجئين. وبعد عدوان حزيران/يونيو 1967، تابعت الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة سياسات التطهير بدءا من مصادرة الأرض وتكثيف البناء والاستيطان وانتهاء بالتهجير ومحاولات التهجير، إضافة إلى سن القوانين والتشريعات التي «تشرعن» عمليات المصادرة والبناء والتهجير، وآخر الأمثلة «قانون التسوية»، و«قانون يهودية الدولة»، و«قانون القومية»!!
وفي الأسبوع الماضي فقط، هدمت سلطات الاحتلال أكثر من (20) محلاً تجارياً في سلوان وعدداً آخر في حي الشيخ جراح. ومنذ أشهر تجري محاولات لتهجير سكان الخان الأحمر تمهيداً لهدمه، وليكون مقدمة لما يخطط ل (46) تجمعاً بدوياً في منطقة القدس والأغوار. عمليات الهدم والتهجير هذه، مضافا إليها عمليات مصادرة الأرض وتوسيع المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة تظهر بجلاء أن سياسة التطهير العرقي «الإسرائيلية» ليست مستمرة وحسب بل وتسير بتسارع واضح منذ احتلال 1967. وتشارك في تنفيذ و«شرعنة» هذه الإجراءات ثلاث جهات هي: الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة، خصوصا منذ حكومة نتنياهو الثانية (2009)، والقضاء «الإسرائيلي» الذي تقف على رأسه ما يسمى «المحكمة العليا»، وأخيرا الكنيست الذي يتحكم فيه ائتلاف اليمين المتطرف، وشريكه «اليسار الصهيوني» الذي يمثل «المعارضة» والذي لم يعد يختلف في شيء عن اليمين المتطرف!
وهكذا لا يعتبر التسارع الحاصل الآن جديدا أو خارج السياسة ونهجها، فمنذ البداية قامت «إسرائيل» على عمودين: الإرهاب والتطهير العرقي! والمفارقة هي أن هذين «العمودين» ازدادا رسوخاً واتسعا ممارسة بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بدلاً من أن ينتهيا كما افترض دعاة وأنصار الاتفاق! وليس هنا مجال رصد التحولات التي جرت في العقد الماضي، لكننا سنتوقف عند مقال واحد بوصفه «شهادة» على صحه ما ندعيه، للصحفية «الإسرائيلية» عميرة هاس، وكان بعنوان «تدمير مزمن ومقصود»، وهو يستند إلى بيانات «الإدارة المدنية الإسرائيلية». هذا المقال نشرته صحيفة (هآرتس- 7/9/2015)، علما أن السنوات الثلاث الأخيرة حملت كثيرا من الممارسات التي تؤكد التوجه الذي دار حوله المقال المذكور.
تقول هاس في مقالها: «يوجد أكثر من (11) ألف أمر هدم ضد (13) ألف مبنى فلسطيني في منطقة (ج)، حسب بيانات الإدارة المدنية». وتشير صاحبة المقال إلى أنه بدءا من منتصف التسعينات (بموازاة المفاوضات السلمية) بدأ تزايد معتدل ومنهجي في عدد أوامر الهدم سنويا. وتضيف: «لكن القفزة الحقيقية كانت في 2009-2010 بعد تشكيل حكومة نتنياهو الثانية». ثم تقول:«كان يفترض أن تنقص أوامر الهدم بالتدريج إلى أن تنتهي في العام 1999، إلا أنه تحول إلى معطى لا يتغير»! والحقيقة أن كل بنود هذه السياسة، المخالفة للقانون الدولي، تسارعت وتوسعت حتى لم يعد خارج نطاقها شيء يخص الفلسطينيين بصدور«القوانين والتشريعات»الأخيرة!
لقد استغلت سلطات الاحتلال كل نقاط الضعف في الوضع الفلسطيني، مستفيدة في الدرجة الأولى من ثغرات «اتفاق أوسلو»، ومستغلة ضعف السلطة الفلسطينية وقبولها ب«التنسيق الأمني»، ثم كان«الانقسام الفلسطيني»فلعبت على تناقضاته وبأطرافه، فأخلي الميدان لسياسة التطهير العرقي«الإسرائيلية»، لتحقق ما تحققه من ثبات!

awni.sadiq@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى