قضايا ودراسات

أين رحلت الأحزاب العربية؟

د.عبدالعزيز المقالح

شهد عقد الأربعينات من القرن الماضي بداية نشوء الأحزاب القومية واليسارية. كما شهدت العقود التي تلت ذلك العقد طفرة في ظهور الأحزاب والتنظيمات السياسية بلغت حداً يصعب معه تعدادها، والنظر في أهدافها، وكان منها اليميني المغالي في يمينيته واليساري المغالي في يساريته، ولعبت الكثرة كما لعبت الخلافات الحادة فيما بينها دوراً في إضعاف فاعليتها وابتعاد الجماهير عنها، وإن كان بعضها قد وصل إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية.
والسؤال هو أين تلك الأحزاب الآن؟ هل تلاشت بفعل فاعل أم تبخرت بحكم عوامل الزمن؟ أسئلة تحتاج الإجابة عنها إلى أكثر من بحث ودراسة. وما تستطيع هذه الإشارات قوله إن الساحات قد فرغت منها، ولا صوت يؤكد وجودها أو كأن الأرض – كما يقول التعبير الشعبي المتداول- انشقت وابتلعتها.
وما يستحق الإشارة إليه- في هذا الصدد- أن الأحزاب الأوروبية التي تجاوز عمر بعضها قرناً كاملاً ولا تزال في منتهى نشاطها وحيويتها تستقطب الملايين وتمارس الحكم تارة والمعارضة تارة، وقد يظل ذلك هو شأنها إلى ما يشاء الله من الأزمان.
وهذه الحالة الأوروبية المثيرة للإعجاب تجعلنا نلقي على أنفسنا المزيد من الأسئلة تجاه ما يعتري أحزابنا من ضمور ثم اختفاء. هل هي أحزاب قصيرة النفس لا تقوى على مواصلة الحياة والتعبير عن متطلبات الإنسان العربي؟ أم أنها عاجزة عن تمثل المتغيرات واستيعاب المراحل وما تتطلبه من إحساس متجدد؟ وهل لا يزال شأن الواقع العربي في القرن الواحد والعشرين هو شأنه في القرن العشرين لا يريد أو لا يستطيع أن يثق بالقيادات الحزبية ويمكنها من تنظيم شؤونه السياسية والاقتصادية؟
إن الإجابة السابقة على ما تقدمها من أسئلة هي الإجابة نفسها على هذه الأسئلة الأخيرة، وهي أننا بحاجة إلى دراسات علمية شاملة لما مضى من حياتنا السياسية من بداية النصف الثاني من القرن العشرين وإلقاء الضوء على التعابير الرسمية التي بالغت في إدانة الحزبية ومنها ذلك التعبير القطعي «من تحزّب خان!».
وأتمنى أن لا يفهم القارئ أنني أحبذ الحياة الحزبية أو أدافع عن الأحزاب. وإنما أحاول فقط أن أبحث عن مصيرها، وعن الأسباب التي أدّت إلى غياب الساحة العربية منها بعد أن كانت في وقت من الأوقات الشغل الشاغل للناس في الوطن العربي وللمثقفين خاصة.
ولعل من الإجابات السائدة التي لم تطمئن إليها النفس أن الأحزاب التي ظهرت في الوطن العربي- بكل مواصفاتها- كانت تقليداً ومحاكاة لما كانت عليه حال أوروبا ولم تأت من واقع البيئة ولا تعبيراً عن ظروفها.

abdulazizalmaqaleh@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى