قضايا ودراسات

«داعش» الصحراء

صادق ناشر

أعاد تنظيم «داعش» توزيع قواته ومناطق نفوذه في ليبيا، فتمدد إلى جنوبي البلاد بشكل لافت في الآونة الأخيرة، خاصة بعد تلقيه ضربات موجعة في الشمال، إثر عودة المئات من عناصره من العراق وسوريا إلى مناطق ساخنة في العالم، من بينها ليبيا، في محاولة منه لإعادة ترتيب صفوفه، وقد نفَّذ قبل أيام هجوماً في بلدة تقع جنوب شرقي البلاد، أسفر عن مقتل تسعة وجرح عدد آخر.
أُرغم «داعش» على ترك مناطق نفوذه التقليدية في كل من العراق وسوريا، والتي عاث فيها فساداً خلال الأعوام الممتدة من 2014 وحتى 2018، بعد إعلان العراق الانتصار على التنظيم، الذي استطاع أن يكوّن دولة خاصة به، استخدم فيها واردات النفط والسلاح لتكريسها أمراً واقعاً، إلا أن الجيش العراقي، وبدعم من التحالف الدولي، تمكن من إلحاق الهزيمة به، فيما تكفلت روسيا بالقضاء عليه في الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا، بعدما دخلت موسكو طرفاً فاعلاً في المشهد بدعم النظام السوري.
سياسة «داعش» في ليبيا تكمن في إعادة انتشار لعناصره، فمن المعروف أن التنظيم حاضر بقوة في البلاد منذ ما بعد سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، على إثر احتجاجات العام 2011، التي اجتاحت عدداً من الدول العربية، وقد شكل هذا الحضور خطراً على الدولة الليبية، التي لم تتمكن حتى الآن من استعادة السيطرة على كافة أراضي البلاد، التي تتقاسمها الميليشيات والجماعات المسلحة، ولا تزال هذه القضية متفاعلة منذ سنوات، حيث تنقسم البلاد بين حكومتين وبرلمانين.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها وتبذلها أطراف إقليمية ودولية لإنهاء الانقسام في ليبيا، آخرها المؤتمر الدولي الذي انعقد في باليرمو الإيطالية، إلا أن هذه الجهود لم تتمكن من ترميم الخلافات الكبيرة بين الأطراف المتصارعة، لأن المصالح تداخلت بعضها ببعض، والصراع الفرنسي الإيطالي بشأن مصالحهما في ليبيا عقّد الحل، ومنع أصحاب القرار من التوصل إلى مقاربات تنهي الصراع القائم في البلاد وتعيدها إلى مسار الحل السياسي، بعد أن عجز الصراع المسلح من حسم الخلافات بينها.
فشل السلطات الرسمية في ملء الفراغ، الناتج عن التخلص من نفوذ «داعش» في بعض المناطق الليبية، مثل سرت على سبيل المثال، أغرى التنظيم للعودة مجدداً للنشاط في مناطق أخرى، مثل جنوب الصحراء، خاصة على المنافذ الحدودية بين ليبيا وكل من السودان وتشاد.
وجاء تشكيل ما يعرف ب«جيش الصحراء»، التابع للتنظيم، ليؤكد أن التفرغ للصراعات السياسية بين اللاعبين الكبار في البلاد، سبَّب ويسبب الكثير من الأزمات لليبيا ويدخلها دوامة صراع لن ينتهي، والكاسب الأكبر من هذا الصراع هو تنظيم «داعش» والميليشيات المسلحة الأخرى.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى