قضايا ودراسات

ابتزاز أنقرة

د. حسن مدن

رغم صلات القربي الفكرية بين المرحوم جمال خاشقجي وحزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، بالنظر إلى الخلفية الإخوانية للضحية، فإن تركيا لم تُدِر عملية التحقيق في ملابسات الجريمة البشعة التي أدت إلى مقتل خاشقجي بصورة مبدئية ترمي إلى جلاء الحقيقة حول الملابسات المحيطة بها، ومحاسبة المتورطين في ارتكابها.
بالعكس من ذلك، عملت أنقرة على الاستفادة منها سياسياً، عبر التسريب المتدرج، لما تقول إن أجهزة الاستخبارات التركية تملكه من معلومات حول ذلك بهدف رئيسي: هو استخدام الجريمة كورقة تفاوض مع واشنطن حول عددٍ من القضايا العالقة بين البلدين، عاملة على إطالة إبقاء القضية في دائرة الضوء، من أجل تحقيق هذه الغاية.
بدأت أنقرة ذلك بالإفراج عن القس الأمريكي أندرو برانسون، الذي كان سجيناً في تركيا بتهمة التجسس والإرهاب، وقيل حينها إن ذلك تمّ بموجب اتفاق بينها وبين واشنطن، التي تعهّدت في المقابل بتخفيف ضغوطها الاقتصادية على أنقرة، في بادرة أرادت بها أنقرة التمهيد لإطلاق عملية مساومات تركية – أمريكية.
فسرعان ما نقلت أنقرة دائرة التفاوض إلى قضايا أكثر جوهرية بالنسبة لها، بينها الضغط على واشنطن لتسليم المعارض التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله جولان، الذي تتهمه بأنه كان وراء المحاولة الانقلابية التي أوشكت أن تطيح بحزب العدالة والتنمية من السلطة، والتي أتبعتها بحملة قمع واسعة، شملت بالإضافة إلى المحاكمات وحملات الاعتقال الواسعة، تسريح عشرات الآلاف من العسكريين في الجيش وأجهزة الأمن، وموظفي الدولة من وظائفهم بتهمة ضلوعهم فيما جرى، أو حتى لمجرد تعاطفهم مع من وصفوا بالانقلابيين.
ورغم المطالبات التركية السابقة بتسليم جولان، إلا أنها لم تجد أذناً صاغية في واشنطن، فحسب تركيا إن جريمة مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، قد توفر لها فرصة انتزاع ما عجزت عن انتزاعه سابقاً.
القضية الأخرى التي أرادت أنقرة المساومة عليها مع الأمريكان، تتصل بالملف السوري، نظراً لافتراق الطرفين في طريقة إدارته، فبينما تدعم واشنطن قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل أكراد سوريا عمودها الفقري، وتقوم بتسليحهم، فإن أنقرة تخوض حرباً ضد هؤلاء الأكراد، كان بينها عملية «غصن الزيتون»، متهمة إياهم بالارتباط بالمعارضة الكردية المسلحة في تركيا، ومرة أخرى وجدت تركيا في جريمة مقتل خاشقجي، فرصة لمساومة واشنطن بالصفقة التالية: الاستعداد لغلق ملف خاشقجي مقابل رفع الولايات المتحدة لغطائها عن الأكراد.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى