قضايا ودراسات

موت الجماعات الأدبية

يوسف أبو لوز
هل انتهى زمن الجماعات الأدبية؟ في العادة يعمل على تأسيس هذه الجماعات، شعراءُ بينهم قواسم مشتركة، وبينهم قواسم ونواظم نفسية وأدبية وجمالية أيضاً، فضلاً عن الفكر والبيئة وحتى التربية، وهي هنا التربية الثقافية، إلى جانب المكان، فالمكان المهجري على سبيل المثال كان عنصراً مهماً في تشكيل جماعات أدبية ماثلة في الذاكرة الثقافية العربية حتى اليوم.
تلك الجماعات الأدبية لم تكن مجرّد مجموعة من الشعراء والفنانين يتشاركون في إنشاء تيار أدبي أو فني أو فكري فقط؛ بل إلى جانب ذلك كان ينتج عن هذه التكتلات أو المجموعات، سياق ثقافي محض. وعلى سبيل المثال، نجمت عما يمكن تسميته «تجمّع الدادائية» الذي ظهر في سويسرا من العام 1916 وحتى العام 1921، حركة ثقافية أوروبية نواتها الأولى شعراء ورسّامون: مارسيل دوشامب، سلفادور دالي، تريستان تزارا، وغيرهم.
نشوء حركات ثقافية أو اتجاهات أدبية وفنية وفكرية، جرّاء نشوء جماعات أدبية، يؤشر أولاً على جدية مؤسسي هذه الجماعات الأدبية وثقافتهم العالية، وشعورهم بالمسؤولية الثقافية والأخلاقية تجاه قضايا مهمّة تؤرق شعوبهم بالدرجة الأولى، أو تضغط على هذه الشعوب.
ولذلك، كانت بعض هذه الجماعات الثقافية الأوروبية تناهض المادية الصناعية على سبيل المثال، والتي صعدت ثقافياً وفكرياً بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهنا سيصعد الفن، وهو الفن المضاد لهذه الثقافة المادية الغربية.
على المستوى العربي، عرفت مصر ظهور جماعتين أدبيتين؛ جماعة «الديوان» التي ظهرت في الثلاثينات من القرن الماضي، وتأسست كما هو معروف للقارئ على يد عباس محمود العقّاد، وإبراهيم المازني، وعبد الرحمن شكري، ولكن السؤال هنا: هل أوجدت جماعة الديوان حركة ثقافية في مصر وفي الوطن العربي، مثل التأثير الذي أوجدته «الدادائية» في أوروبا؟
الإجابة عن هذا السؤال نأخذها من المصريين أولاً، فأهل مكة أدرى بشعابها، وكثير بل أغلبية من المثقفين المصريين يرون أنه لا أثر لجماعة «الديوان» في الثقافة المصرية والعربية عموماً، والأمر نفسه ينسحب على جماعة «أبوللو» التي أسسها الشاعر أحمد زكي أبو شادي، وظهرت في أربعينات القرن العشرين.
وكانت هذه الجماعة ذات نطاق عربي واسع، فمن أعضائها على سبيل المثال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، ولكن مرة ثانية، هل أوجدت هذه الجماعة أثراً ثقافياً فكرياً جمالياً له صدى حيوي حتى اليوم؟ الجواب أنه لا وجود لمثل هذا الصدى، والزمن الأدبي والإبداعي تجاوز أصلاً هذه الجماعات إلى ما يسمى الحداثة، وما بعد الحداثة، مع التحفظ على هذين المصطلحين.

yabolouz@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى