قضايا ودراسات

خواطر دعائية

عبد اللطيف الزبيدي

يقيناً، شهر رمضان موسم الدعاء بامتياز. لكن، هل يدرك المسلمون، العرب بالذات، حدود الدعاء وضرورة عدم الخلط بين التوكل على الله، وبين الاتكال على السماء؟ ما هي شروط الدعاء لكي تكون الدعوات صالحات؟
علينا أن نتصور الدعوات وكأنها طلبات يتلقاها نظام، يدقق في ما إذا كانت قابلة للاستجابة. سنكتشف عجائب، وستكون النتيجة لزوم إعادة النظر في نصوص الأدعية المتوارثة المتكررة، وتلك المرتجلة. نصوص الأدعية كتبها أناس عاديون، تخلو حتى من سلامة المبنى والمعنى أحياناً، ولا علاقة لها بالمقدس. لا هي تمثل الدين، ولا هي في أغلبها تنتمي إلى الأدب.
كتيبات الأدعية المطبوعة لا تُحصى، حسبنا تناول نماذج. ثمة أنواع تتنافى وروح الإسلام والإنسانية، ولا يليق التوجه بها إلى ذات خالق البشر جميعاً،كأن يسأل الإنسان مولاه أن يُحرق زرع الأعداء، ويُجفف ضروع أنعامهم، ويرمّل نساءهم، ويُيتم أبناءهم، وما إلى ذلك من الدمار الشامل. كن قوياً ولا تخشَ الأعداء، فهذه، إلى جانب سوء الطلب من الله، نظرة فردية جداً إلى الألوهية، انحصارية مفرطة، تشكل خطراً على الأجيال، إذا أصبحت آلية تتوارثها تربية الأدمغة. الجانب الأسوأ هو فيروسات التطرف التي تتغلغل في السلوك، بينما أوضاع الواقع على النقيض تماماً، وهي: تخلف، أمية، انعدام الاقتصادات التنافسية، مسافات نجومية دون التقدم العلمي والتقاني، واتكال على السماء لكي تحل كل هذه المعضلات، التي هي مسؤوليات بشرية جملة وتفصيلاً. على صعيد علم النفس والعلوم العصبية، يعني ذلك عملياً، تلقين الدماغ عدم السعي التنفيذي التطبيقي إلى إيجاد الحلول، لأن السماء ستفعل ذلك في يوم في شهر في سنة.
عندما نفحص الأدعية من منظور تنموي، ندرك أن الأنظمة التي لا تعرف غير تنمية الوعود وتشييد الشعارات وتغذية الأحلام الوهمية، تتحمل أغلبية الأعباء، لأن الناس لم يتربوا على أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. المسألة إذاً، ثقافة تربوية مغلوطة إيهامية، بدليل التخلف المشهود. على من لا يستسيغ هذا الطرح البسيط،أن يتصور العالم العربي على النقيض تماماً، أي كما لو كان قمة حضارية رائدة في القوة والقدرة، اقتصادياً وعلمياً ودفاعياً وثقافياً، وفي سائر المجالات، وانفتاحياً وإنسانياً وتسامحياً، كيف كان سيتوجه في أدعيته إلى الخالق؟ كان سيقول: حمداً لك يا ربنا على أن باركت تفوقنا في العلوم والمعارف، وجعلتنا قدوة للعالمين في طليعة الحضارة الإنسانية، فلا تحرم من آلائك أحداً.
لزوم ما يلزم: النتيجة الدعائية: اللهم أفهمنا أنك لا تغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى