قضايا ودراسات

دول في مواجهة طغيان الحاضر

الحسين الزاوي
تبدو معادلة الزمن في مرحلتنا الراهنة، وكأنها تنتفض ضد قوانين الفيزياء والطبيعة، وتعمل على تقويض أبجديات السياسة ودروس التاريخ، في السابق أي قبل عقود من الزمن كانت الأمم المتطورة تنظر إلى الفوضى العارمة التي تشهدها المجتمعات الهشّة، وكأنها تمثّل غياباً للحكمة في التعامل مع تقلبات الحاضر، وتجسيداً لانعدام القدرة على استخلاص العِبر من الماضي، لكن ما يحدث الآن من تحوّلات غير مسبوقة على مستوى الخريطة الدولية، يؤكد أن المجتمعات التي كانت تبدو صلبة بدأت تفقد قدرتها على توجيه عقارب الزمن، وبدأ قسم كبير منها يشعر أنه يواجه استبداداً وطغياناً غير مسبوق للحاضر.
احتفل قادة الدول مؤخراً في عاصمة الأنوار باريس بمرور مئة سنة على نهاية الحرب الكونية الأولى، لكن احتفالهم هذا أنساهم عِبر التاريخ وجعلهم يتحدثون بكثير من العصبية والتشنج عما يواجهونه من ضغوط نتيجة التحديات الخطرة للحاضر، ولم يترك لهم هذا الحاضر العاصف متسعاً للنظر إلى الماضي بعيداً عن زاوية الأرقام الصماء. ولعل استبداد هذا الحاضر هو الذي يجعل الرئيس الأمريكي يركض في كل الاتجاهات من أجل الحصول على مكاسب تجارية واقتصادية على حساب خصومه وحلفائه، إذ لا وقت لديه للنظر في الماضي أو للتحديق فيما سيأتي، إنه مقتنع أن الانتصار في الحاضر يبرِّر التخلي عن الحلفاء والضغط على الجيران وتهديد الخصوم وابتزاز الجميع من أجل مواجهة طغيان الحاضر.
يتكرّر المشهد ذاته في عاصمة الضباب، حيث تواجه المملكة المتحدة التحديات الصعبة للحاضر الذي أفرزته انتخابات البريكست، يتعلّق الأمر بالنسبة لتريزا ماي بالموافقة على ما يتيحه هذا الحاضر من خيارات صعبة في مواجهة مؤسسات بروكسل، ومن الواضح لديها أن الجغرافيا والتاريخ يؤكدان أن المملكة ستظل أوروبية ولكن مع وقف التنفيذ؛ بينما يفرض الخوف الراهن من المهاجر البولوني والسلوفاكي على مواطن المملكة أن يقف عند عتبة الاتحاد الأوروبي في انتظار فرصة قد تخلّصه من استبداد هذا الحاضر الذي صنعه اليمين الشعبوي، في غفلة من الزمن، قبل أن ينسحب بعض رموزه الكبار تاركين سفينة حزب المحافظين تُبحر بين أمواج التحديات الداخلية والرهانات الخارجية دون بوصلة.
ويواجه زعماء القارة العجوز الطغيان نفسه، فتضطر ميركل في ألمانيا إلى الاعتراف بإخفاقها في تحقيق أهدافها، وتعلن أنها ستغادر السياسة بعد انتهاء ولايتها الحالية، لا يتعلّق الأمر مرة أخرى بالاعتراف بثقل الماضي، ولكن الإقرار بأن التحوّلات التي تشهدها أوروبا تفرض على النخب الحاكمة في برلين، الإذعان لشروط الحاضر. يعيش بموازاة ذلك الجار الفرنسي ضغوطاً مشابهة، ولكن يغلب عليها الطابع الاقتصادي والاجتماعي، فقد بات الفرنسيون يشعرون أكثر من أي وقت مضى بالهشاشة، وبدأت دولة الرعاية تتخلى عن واجباتها، وضاق الجميع ذرعاً من ارتفاع الضرائب وتراجع القدرة الشرائية، وجاءت الضريبة الأخيرة على الوقود لتقطع آخر حبال الود بين الفرنسيين ورئيسهم الشاب، وانتفض أصحاب «السترات الصفراء» ليقولوا «كفى» لماكرون.
لا يبدو الأمر مختلفاً كثيراً في الضفة الأخرى من أوروبا، هناك في عمق جبال الأورال بروسيا، حيث يقوم بوتين بإعادة تدقيق حساباته في سوريا حتى لا يضيّع المكاسب الرمزية التي حققها على الساحة العسكرية، يزداد اقتناعاً مع مرور الوقت أن خياراته الاقتصادية في مواجهة العقوبات الغربية جد محدودة، فأسعار النفط تتراجع مرة أخرى ومدخرات موسكو من النقد الأجنبي تنخفض، والجبهة الداخلية بدأت تتململ، وشعبيته لا يمكنها أن تراهن على مكاسب السياسة الخارجية لمدة أطول، وبخاصة عندما يلجأ إلى المساس بمكاسب الطبقة العاملة من خلال اتخاذ قرار رفع سن التقاعد، في مجتمع يعاني فيه العامل أصلاً ضنك العيش، ويحصل فيه على معاش تقاعد متدنٍ.
وحدها بكين ما زالت تبدو متصالحة مع حاضرها، حيث يظهر التنين الصيني على المستوى الخارجي، قدرة كبيرة على مواجهة طغيان الحاضر، ويحافظ على نسبة نمو مرضية، ويواجه باقتدار وبسالة محاولات الغرب بقيادة الولايات المتحدة الهادفة إلى الإضرار بمصالحه التجارية، أما على المستوى الداخلي، فإن طغيان الحاضر يتراجع أمام قوة الطغيان السياسي، حيث تبدي السلطة الحاكمة في هذا البلد قدرة فائقة على الضبط الاجتماعي، وتحافظ على تواصل منقطع النظير ما بين الحاضر والماضي.
أجل، إن الحاضر يُمعن الآن في فرض قوته وفي إملاء شروطه على الجميع، حيث تتراجع قدرات وكفاءة الأمم والدول على توجيه هذا الحاضر، وتصل المواجهة معه إلى ذروتها، وهذا ما يدفع سبستيان لوفول إلى القول: خلافاً لما نسمعه عادة، ليس التسلط المرضي للماضي على اندفاعاتنا وأحلامنا وسلوكاتنا هو الذي يُهدّدنا، ولكن دكتاتورية اللحظة الراهنة والسريعة. هكذا تؤدي العلاقة غير السويّة مع الزمن إلى فقدان عمق الماضي وإلى ضياع مكاسب الذاكرة الفردية والجماعية.

hzaoui63@yahoo.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى