قضايا ودراسات

رجل أمريكي من زماننا

محمود الريماوي

يؤمل أن يبقى اسم مارك لامونت هيل حياً، بصفته أمريكياً شجاعاً وناشطاً في حقل الإعلام والحياة الأكاديمية. فقد تردد اسم هذا الشاب (40 عاماً) بعد أن تمكن من إلقاء خطاب من منصة الأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي 30 نوفمبر/‏ تشرين الثاني، انتقد فيه بشدة السلوك «الإسرائيلي» تجاه شعب فلسطين، واصفاً هذا السلوك بالسياسة الضيقة. وقد اقتنص اللوبي الصهيوني عبارة حرية فلسطين من النهر إلى البحر؛ كي يطلق هذا اللوبي حملة تقرن الرجل بمعاداة السامية، وبتحبيذ «القضاء على «إسرائيل»» وهي التهم الجاهزة التي يطلقها هذا اللوبي في أمريكا ودول أوروبا إزاء كل من يوجه انتقادات صريحة لسياسة تل أبيب المعادية للسلام. وقد أدت الحملة الشعواء التي انطلقت على منصات التواصل إلى اتخاذ محطة «سي إن إن» قراراً فورياً بإقالة مارك من وظيفته، علماً أنه لم يعبّر عن رأيه هذا على شاشتها، وعلماً أنه يعمل في الوقت ذاته أستاذاً في جامعة كولومبيا، التي رفضت اتخاذ قرار تعسفي بحقه كما فعلت القناة التلفزيونية؛ حيث اعتبرت الجامعة ما قاله «رأياً شخصياً».
في الدقائق القليلة التي تحدث بها الرجل، دعا إلى تفعيل السلام، والكف عن النظر إلى هذا الهدف من منظور رومانسي على حد تعبيره، مطالباً بالتعامل مع تل أبيب بأسلوب المقاطعة والعقوبات؛ لحملها على الالتزام بمقتضيات السلام. ولعل استخدامه لعبارة من النهر إلى البحر (التي تعني من نهر الأردن إلى البحر المتوسط) كان مبعثه الحاجة إلى التذكير من طرفه وهو الأكاديمي بأن المظالم تشمل فلسطين جميعها، التي توصف بالانتدابية (الانتداب البريطاني عليها) أو التاريخية. فالمظالم اقترنت بنشأة الدولة العبرية في العام 1948، وتعاظمت مع احتلال العام 1967، ما جعل فلسطين من النهر إلى البحر تحت سطوة الوجود العسكري الصهيوني.
وإذا كانت عبارة من النهر إلى البحر غير مقبولة في أنظار البعض في الولايات المتحدة، فقد كان أحرى بهم للبرهنة على صدقيتهم، الاحتجاج على تصريحات عديدة لبنيامين نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال، واظب فيها على القول أن السيطرة العسكرية لحكومته ولجيش الاحتلال سوف تستمر من النهر إلى البحر، ويشاطره في ذلك المئات من رواد الغزو الاستيطاني للضفة الغربية، وزعامات الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة، الذين يتبجحون بأن «أرض «إسرائيل» تقع بين البحر والنهر». وهؤلاء المتطرفون هم شركاء نتنياهو في الحكومة، وهم الذين يستبيحون المسجد الأقصى في القدس بصورة منتظمة، ويعملون تباعاً على مصادرة أملاك الكنائس المسيحية في القدس بوسائل ملتوية شتى، من أجل فرض التهويد القسري على المدينة المقدسة. ولا يكتفي المتطرفون في تل أبيب بإطلاق التصريحات وإلقاء الخطابات، بل إنهم يرسمون وينفذون الخطط الحكومية التي تقوم على أساس عنصري، وعلى إنكار مُشين لحقوق أصحاب الأرض في أرضهم.
كذلك الأمر في ما دعا إليه الرجل من عقوبات على تل أبيب. فالولايات المتحدة من أكثر دول العالم اعتماداً لأسلوب العقوبات على الغير، بما يجعل هذا الأسلوب جزءاً من الثقافة السياسية السائدة، ولم يأتِ مارك بجديد؛ إذ تعمل عدد من الجامعات الأمريكية والأوروبية على مقاطعة مؤسسات أكاديمية «إسرائيلية»، كما أن منتجات المستوطنات تلقى مقاطعة واسعة.
يستحق مارك هيل التحية على موقفه الشجاع والنزيه، كما يستحق الإسناد من كل مؤيدي العدل والسلام في أمريكا وخارجها، فقد نجح الرجل في تبديد الصمت الدولي حول جرائم الاحتلال، وتنصله الدائم والمنهجي من مقتضيات السلام العادل. كما نجح في كسر أحادية الإعلام الأمريكي الذي يردد في أغلبيته المقولات «الإسرائيلية» ويتنكّر لموجبات السلام، ولا يَعتبِر التنكيل بضحايا الاحتلال شكلاً من أشكال معاداة السامية، كما هو الحال لدى انتقاد سياسة الدولة العبرية. ونجح مارك هيل بموازاة ذلك في إعادة قضية فلسطين وشعبها إلى جدول الاهتمام الإنساني والدولي، وإلى دائرة الضوء الإعلامي، وخلافاً لما ينشده مؤيدو الاحتلال الذين يبذلون كل ما تملك أيمانهم لإسدال الستار على الجرائم المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال في أرض فلسطين المقدسة، من دون أن يتعرض إلى عقوبات موجبة عليه من طرف المحافل والمراكز الدولية، وهو ما يثير انفعالات المؤمنين بالأخلاق السياسية، ومنهم مارك هيل.

mdrimawi@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى