قضايا ودراسات

حرائق باريس

صادق ناشر

لم تكن التظاهرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس قبل أيام، عادية، فقد أظهرت الجانب الآخر من المجتمع الفرنسي، الذي لم يعهده العالم، من خلال العنف والتخريب الذي ترجم في أشكال عدة، في قلب باريس نفسها، وامتد من الشوارع إلى قوس النصر، وحتى البنوك وبعض المؤسسات التجارية، التي تم مداهمة بعضها ومحاولة نهبها.
لم تنم باريس يومها، ومعها العالم أيضاً، فقد بدت التظاهرات عنيفة إلى حد أنها صدمت العالم النامي قبل المتحضر نفسه، فقد كان الكثير ينظر إلى فرنسا – مثلها مثل دول أوروبية عدة – أنها قلعة للحرية والتحضر، لكن المتابعين للاحتجاجات التي قادها أصحاب السترات الصفراء، رفضاً لارتفاع أسعار المحروقات، تفاجأوا بحجم العنف الذي ساد التظاهرات، وكادت تدفع السلطات الفرنسية إلى إعلان حالة الطوارئ لمواجهة الموقف وعدم الانجرار إلى أسوأ مما حدث.
لو أن ما حصل حدث في بلاد عربية لقال عنه المراقبون، إنها بداية ربيع، لكن هل يمكن وصف ما حدث في باريس أنه «ربيع فرنسي»؟، بالتأكيد لم يكن الربيع العربي بالأمس القريب هو نفس الذي يحدث في فرنسا، إلا أن الفوضى هي نفسها، سواء كانت في شوارع القاهرة وصنعاء وتونس وطرابلس أم في باريس، والفوضى بالطبع لا تصنع مشروعاً للتغيير بقدر ما تؤدي إلى التدمير، كما حدث في كثير من البلاد العربية التي تحولت فيها الثورات إلى مشاريع موت، لأن الذين قاموا بها لم يكونوا يفكرون بالتغيير، بقدر ما كانوا يهدفون للوصول إلى السلطة.
وعلى عكس ما حدث في البلاد العربية التي شهدت التظاهرات، لم تكن هناك دولة غربية واحدة تؤيد ما حصل في فرنسا، بل إن الكثير من الدول استنكر ما حدث، لكن هذه الدول نفسها كانت لها آراء مؤيدة لما كان يحدث في الشارع العربي قبل سنوات، لأنها كانت تريد إظهار أن العالم الثالث لا يستحق أن يحدث فيه تغيير، وترغب في أن يبقى أسيراً لأنظمته الديكتاتورية.
من هنا كان التحذير الفرنسي الرسمي بإبعاد المتطرفين من صفوف المتظاهرين، دليل على أن التطرف هو الذي يصنع الفوضى وليست حرية التعبير، وقد بدا واضحاً أن اليمين المتطرف استطاع التغلغل في أوساط المحتجين، مستغلاً غضبهم من الإجراءات الحكومية بشأن رفع أسعار المشتقات النفطية، واستطاع أن يحرف مسار التظاهرات إلى العنف المدمر والحرائق التي انتشرت، حيث أدى ذلك إلى إلحاق خسائر كبيرة في الاقتصاد الفرنسي.
السؤال هو: هل كان الكثير ينتظر ربيعاً باريسياً؟، بالطبع لا، لأن فرنسا دولة مؤسسات والغضب الذي شاهدناه، ستحتويه الدولة بمؤسساتها، رغم العنف المبالغ فيه عند تفريق المتظاهرين، لكن في نهاية المطاف عبرت الأحداث عن خيبة أمل بالرئيس إيمانويل ماكرون وانخفاض شعبيته، وشكلت درساً ليس لفرنسا فحسب، بل وللعالم الغربي أيضاً.

Sadeqnasher8@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى