قضايا ودراسات

بوروشينكو يخفق من جديد

فيصل عابدون

يتحرك الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو تحت هاجس يضغط عليه بشدة ويتعلق بعلاقته مع روسيا، فهو يؤمن بأنها تمثل خطراً وجودياً على سلطته في الحكم وعلى سيادة بلاده. ليس ذلك فقط لكنه يعتبر أيضاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمثل رأس الرمح في التهديدات التي تتعرض لها أوكرانيا، وأنه يستهدفه بشكل شخصي كما يستهدف بلاده. وتحت ضغط هذه الافتراضات فإن بوروشينكو لا يخفي مشاعره السلبية إزاء روسيا وقيادتها السياسية وهو يعتبر أن الحل الوحيد لإزاحة الخطر الماثل، هو اندلاع حرب إقليمية كبرى في المنطقة تحطم تفوق القوة العسكرية الروسية وتعيد تأسيس ميزان القوة.
وبما أن أوكرانيا بقدراتها العسكرية والاقتصادية عاجزة عن الدخول في حرب مع الجارة القوية فإن بوروشينكو يخطط لإقحام التحالف الأورو- أطلسي في حرب تشعل أوكرانيا شرارتها ثم تتولى الجيوش الغربية مهمة تحطيم الخصم وتدمير قدراته العسكرية.
ولا شك في أن هاجس الرئيس الأوكراني ليس خيالياً بالكامل فهو ينطوي على قدر من الواقعية، فالرئيس بوتين هو الذي انتزع إقليم القرم الغني والاستراتيجي في خطوة واحدة، وهو الذي يقدم الدعم العسكري واللوجستي والسياسي للمجموعات الانفصالية المسلحة في جنوب وشرق أوكرانيا، ويمسك بزمام الأزمة الاقتصادية في أوكرانيا ويتلاعب بها. كما أنه يعمل عبر سياسات منهجية على إضعاف سلطة بوروشينكو في الداخل.
فالتهديد الروسي حقيقة واقعة، لكن الصحيح أيضاً أن خطة بوروشينكو للتخلص من التهديد عبر جرجرة جيوش الأوروبيين إلى قتال الجيش الروسي وتحطيمه تبدو خيالية تماماً، ونوعاً من التفكير اليائس يفرضه استمرار الحصار والتهديد وقلة الحيلة. فالأوروبيون ببساطة لا يشاركونه هذه الفكرة.
لقد حاول الرئيس الأوكراني على امتداد مراحل الصراع إقناع دول التكتل الأوروبي وقادة حلف شمال الأطلسي بأن بلاده تتعرض للغزو وعليهم المسارعة لنجدتها، فعل ذلك عند بداية أزمة القرم، وخلال فترات المعارك المتقطعة مع الانفصاليين وبعد إعلانهم إجراء انتخابات في منطقتي دونيتسك وهانسك، أغلق كل المنافذ للتفاوض الثنائي مع روسيا واتجه بكلياته إلى أوروبا وحلفها العسكري لكن كل محاولاته باءت بالفشل.
وخلال الأزمة الأخيرة في مضيق كيرتش، قرع بوروشينكو طبول الحرب مجدداً، رفض التفاوض مع موسكو حول مسألة السفن الحربية والبحارة المحتجزين، وارتدى بذلته العسكرية وأعلن فرض الأحكام العرفية من داخل البرلمان ودعا ألمانيا وحلف الأطلسي لنشر سفنهم الحربية في بحر آزوف. وفي المقابل اتسم تصرف الرئيس الروسي بالهدوء واعتبر الحادثة تجاوزاً استفزازياً لسيادة بلاده على حدودها واتهم الرئيس الأوكراني بالسعي لتأجيج الأوضاع في محاولة للهروب من الاستحقاق الانتخابي المقرر العام المقبل.
لقد سجلت أزمة مضيق كيرتش إخفاقاً جديداً للرئيس بوروشينكو في إشعال فتيل حرب بين الاتحاد الأوروبي وروسيا تصب نتيجتها لصالحه. فالأوروبيون لن يشاركوا في لعبته، فأوكرانيا ليست عضواً في التكتل الأوروبي، قدم له الأوروبيون أقصى ما عندهم بالنسبة لدولة مرشحة. ولم يتجاوز ذلك حدود الدعم الكلامي والتصريحات الدبلوماسية ومناشدات إلى روسيا للإفراج عن البحارة المحتجزين. تحدث بعضهم عن تشديد العقوبات على موسكو لكن فرنسا وألمانيا رفضتا ذلك بحزم. أوروبا لا تريد حرباً مع روسيا ولا قبل لها بها.

Shiraz982003@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى