قضايا ودراسات

قطعة من القلب والوجدان

مارلين سلوم

تحمله معك وفيك أينما حطّت رحالك. أنت مدوّن باسمه في سجلات الحياة أولاً، ومن بعده تنسب إلى أمك وأبيك.
يراه الناس فيك ويعرفونه من صوتك، لون بشرتك، ملامح وجهك، وفي بعض الخصال التي تولد معك ولا تعرف أنها تسكنك لأنك ابنه، «ابن وطنك».
مهما ابتعدت، يعرف كيف يناديك. جذوره الماسكة في بطن الأرض تشدك، تريدك أن تحيا على أرضه، أن تزرع وتحصد، تبني وتكبر فيكبر بك ومعك. يريدك أن تزهر فيه فيصير بستاناً من رياحين، أبناؤك صغاره الذين يحتضنهم، على أمل أن يحتضنوه متى شبّوا واشتد عودهم.
هويتك مدوّنة باسمه حتى وإن ولدت في أرض أخرى، فلا بد أن يأتي من يبحث عن جذورك ليقول إن «أصولك» تعود إلى «وطنك» الأول. فهو دائماً أصل حكايتك على الأرض. منه تكون كل البدايات، النجاحات والإخفاقات، قبل أن يصير مخزناً للذكريات.
تتخلى عنه؟ كيف وهو ملاصق لك كجلدك!، كلما تفاخرت به ازددت قامة، وكلما صغر في عينيك صغرت في الدنيا.
البيت وطن، الأهل وطن، الحبيب وطن، لكن هل كل وطن حبيب؟ كيف يكون الوطن وطناً إن لم تتعامل معه كقطعة من القلب والوجدان والكيان؟ كيف يكون وطناً إن لم ترَ فيه صورة الأب، وحضن الأم الدائمة الانتظار للحظة عودة صغارها إليها؟
أحياناً تسأل نفسك، أليس الوطن كتلة مشاعر وذكريات محفورة على جدران شوارع وأحياء وبيوت، وعلى وجوه الناس أيضاً تتشكل لترسم ماضيك بكل ما فيه؟ أليس الحنين إليه هو الحنين إلى الناس والحياة التي عشتها يوم كنت طفلاً؟ هل كل أرض يمكنها أن تكون وطنك؟ هل كل وطن تستطيع أن تحبه وتخلص له فيسكن قلبك كما تسكنه؟ وهل كل ابن يخلص «لأبيه» وبالوفاء يبادله ويحميه؟ كل الأوطان تسكن فينا، حتى تلك التي نختار الرحيل عنها. نغادرها ولا تفارقنا، إن نجحنا أم فشلنا، إليها يشيرون كلما تحدثوا عنّا.
الوطن أكثر من قطعة أرض أو صحراء أو يابسة، هو عنوان تمر به النسائم والرياح والبساتين، فيعبق بعبير يعلق في الذاكرة ولا يرحل أبداً. التراب والطبيعة والوجوه والأسماء والخصال والتقاليد.. تجبلك كما جبلتَ من طين، فتصير أنت ما أنت عليه، وتكمل طريقك ولا تدرك أحياناً أنك بخطاك تكمل حفر معالم وطنك وتعيد تشكيله ليصير أكثر بهاء وجمالاً.. إنما البعض من شياطين الإنس، يحفر خندقاً ليهدم كل بناء، متوهماً أنه صانع جديد للتاريخ، فهل تغض الطرف وتتركه يشوّه هويتك واسمك وأهلك وماضيك وذكرياتك وغدك؟ أم تمدّ يدك لتقتلعه، وتنثر البذور الطيبة مكانه؟.

marlynsalloum@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى