قضايا ودراسات

جورج بوش الأب

د. حسن مدن

جورج بوش الأب، الرئيس الأمريكي الأسبق، الذي توفي قبل أيام عن عمر قارب المئة، هو من أعلن ما وصفه، في حينه، ب«النظام الدولي الجديد» في بداية تسعينات القرن الماضي.
كان ذلك بعيد انتهاء مهمة إخراج القوات العراقية، التي دفع بها صدّام حسين لاحتلال أراضي دولة الكويت، وتزامن ذلك، تقريباً، مع تفكك الاتحاد السوفييتي من داخله، قبل أن تصبح الجمهوريات المنضوية تحت لوائه، دولاً مستقلة.
كان لدى الرجل ما يتباهى به يومها، فالحرب الباردة التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهت بانتصار الولايات المتحدة، ومعها المعسكر الغربي، على الاتحاد السوفييتي والأنظمة الحليفة في شرقي أوروبا التي راحت تتهاوى، الواحد تلو الآخر بعد أن سقط جدار برلين.
في هذا كان جورج بوش الأب يقطف ثمار سياسة سلفه رونالد ريجان الذي عمل معه كنائب للرئيس لدورتين رئاسيتين، حيث إن ريجان المعروف بعدائه الشديد للسوفييت، دفع بالمواجهة مع موسكو إلى أقصى الحدود، خاصة عبر برنامج التسلح الشهير الذي عرف ب«حرب النجوم»، وهو برنامج لم يكن بوسع السوفييت مجاراته، وخدم ريجان في ذلك أن الكرملين بات يدار من ميخائيل جورباتشوف الذي نهج نهجاً مهادناً للغرب، ما زالت الأسئلة تثار حول دوافعه، كونه النهج الذي أفضى لتفكك الدولة السوفييتية.
يموت جورج بوش الأب، في الوقت الذي «مات» فيه، أو أوشك على الموات، النظام الدولي «الجديد» الذي كان قد أعلن عن ولادته، وبشّر به، بوصفه انتصاراً نهائياً لواشنطن، بموجبه أصبحت هي القطب الدولي الوحيد الذي يدير العالم.
بعد أقل من ثلاثة عقود على تلك النشوة، بات جلياً أن عالماً متعدد الأقطاب قد ظهر على الساحة الدولية. أي أن نظاماً دولياً جديداً قد نشأ فعلاً، وهو لا يختلف فقط عن نظام الأحادية القطبية الذي يتداعى أمام أعيننا، وإنما أيضاً عن الثنائية القطبية التي سادت فترة الحرب الباردة.
لم تعد ثنائية موسكو – واشنطن وحدها، ما يطبع لحظتنا الراهنة. صحيح أن روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين، استعادت بعض أوجه المهابة والقوة التي كانت لها في الزمن السوفيتي، وعادت لاعباً دولياً مهمّاً، لكن الأنظار تتوجه، أيضاً، نحو التنين الصيني العملاق الذي سيصبح بعد حين، وشيك أقوى اقتصاد في العالم، أقوى من الاقتصاد الأمريكي نفسه.
إلى ذلك لا يمكن إغفال التصدع الناشئ اليوم في علاقات أوروبا بواشنطن، والذي وإن كان في بداياته، فإنه يصعب التنبؤ بمآلاته.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى