قضايا ودراسات

أجندة متطرفة في فرنسا

مفتاح شعيب

إعلان فرنسا تعليق قرار زيادة الضرائب على الوقود، أكد أن احتجاجات «السترات الصفراء»، التي صدمت باريس حققت واحداً من أهم أهدافها، وأجبرت حكومة إدوارد فيليب على تسجيل هذا التراجع، وسددت ضربة سياسية للرئيس إيمانويل ماكرون المحمّل بطموحات تتجاوز حدود بلاده إلى بناء كيان أوروبي قوي يكون رقماً صعباً على الخريطة الدولية.
المولعون بمعادلات الربح والخسارة والنصر والهزيمة، قد يعتبرون أن التراجع عن ضرائب الوقود وضع الحكومة الفرنسية في موقف ضعيف سيجعل بعضاً من الحكومات الأوروبية، مثل بلجيكا، في مأزق ويدفعها، هي الأخرى، إلى التراجع عن الضرائب وتلبية مطالب «السترات الصفراء» لديها. ولكن من وجهة نظر ثانية، يمكن أن يكون القرار الفرنسي تعبيراً عن واقعية سياسية ترفض أن تفرض أمراً على شعبها، كما تستجيب للنواميس الديمقراطية التي تفرض الأخذ في الاعتبار رأي الشارع وتنسجم مع قراره، كما تؤكد إحساساً بالمسؤولية لعدم تعريض الأمن العام للخطر. فقد أثبتت الاحتجاجات الأخيرة وما رافقها من مظاهر حرق ونهب وتخريب أن الوضع مهدد بالخروج عن السيطرة والذهاب بعيداً في ما هو أسوأ. وجرت مقارنة منطقية بين احتجاجات هذا العام و«ثورة الطلاب» قبل خمسين عاماً. ففي العام 1968 هزّت فرنسا احتجاجات عنيفة حملت مطالب اقتصادية واجتماعية وتعليمية وفكرية، وقد أجبرت تلك الثورة الزعيم القوي شارل ديجول، مؤسس الجمهورية الخامسة، على التنحي عقب استفتاء على إصلاحات طالب بها الطلاب والعمال وعموم الطبقة الوسطى. وربما لم يرد الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون أن تصل الأمور إلى الثورة الشعبية، خصوصاً بعد أن تعهدت قطاعات اجتماعية عدة بالانضمام إلى «السترات الصفراء»، التي تلقى دعماً كبيراً من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وسط دعوات إلى حل الجمعية الوطنية والذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة.
بعد قرار الحكومة النهائي، سيتبين لاحقاً إن كانت الاحتجاجات الأخيرة ذات مطالب اجتماعية واقتصادية صرفة، أم امتطتها أجندات سياسية تريد النيل من ماكرون ونهجه في إدارة البلاد وطموح تطوير الاتحاد الأوروبي. ولا يُستبعد أن تتواصل الحركة الاحتجاجية بذرائع أخرى، فليست الضرائب على الوقود وحدها ما تشعل بعض الغضب الشعبي. وهناك من يتوقع إثارة احتجاجات مصطنعة، كما أن هناك إشارة إلى أجندة لليمين المتطرف مدفوعاً من جهات أمريكية، ربما للنيل من ماكرون بسبب «جرأته» على سياسة الرئيس دونالد ترامب. فأكثر ما يستفز البيت الأبيض الحالي أن تكون هناك قوى دولية أخرى تنافسه وتتصدى لتوجهاته. ولم يخطئ ماكرون حين أراد الدفاع عن مصالح فرنسا والاتحاد الأوروبي، ولكن ترامب صاحب «أمريكا أولاً» لا يريد لواشنطن أي شريك، وهو مستعد للحرب على أي «تمرد». وإذا كان ما حصل في فرنسا جزءاً من هذا السياق، فالأيام المقبلة ستحمل المزيد، وستكشف بعضاً من أوراق الرد الفرنسية للحفاظ على تاريخ باريس وسمعتها الدولية.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى