قضايا ودراسات

انسحاب اقتصادي لهدف سياسي

حافظ البرغوثي

جاء انسحاب قطر من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» عشية انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي في التاسع من هذا الشهر، واجتماع وزراء نفط أوبك في فيينا، وكأنه رسالة سياسية لمن يهمهم الأمر بأن الدوحة وإن كان إنتاجها النفطي قليلاً، إلا أنها في ظل أزمتها مع دول الجوار التي قاطعتها، بسبب سياستها بالتدخل في شؤونها الداخلية وتمويل الإرهاب، قادرة على الانسحاب من مجلس التعاون ككل في حالة عدم رفع المقاطعة عنها.
قطر غير معنية بالتكتل النفطي، وسعت دوماً لتكون أكبر مورد للغاز في العالم، وحاولت قبل ما سمي ب«الربيع العربي» أن تستحوذ على احتكارات الغاز في الجزائر وليبيا وسوريا لكنها فشلت، ويرجح بعض المحللين أنها دعمت الإرهاب في ليبيا ومصر وسوريا لهذا الهدف، باعتبار ما سيكون في حال وصول حلفائها إلى الحكم في هذه البلدان، لكن حساب الحقل لم ينسجم مع حساب البيدر، وخسرت قطر رهانها على «ثوراتها».
لكن الانسحاب من منظمة «أوبك» يأتي في وقت يواصل فيه الرئيس دونالد ترامب انتقاداته للمنظمة. وقال سعد الكعبي وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري في معرض تبريره للانسحاب من أوبك: «لا نقول إننا سنخرج من نشاط النفط، لكن المنظمة التي تسيطر عليه تديرها دولة واحدة»، وهو هنا يشير إلى المملكة العربية السعودية، وكأنه في ختام مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه انسحاب قطر من منظمة «أوبك» قال السبب الرئيسي الذي جعلها تنسحب، وهو السعودية، مع أنه ساق مبررات أخرى في بداية حديثه حول تطوير إنتاج الغاز وجعل قطر رائدة في مجال تصدير الطاقة النظيفة بقوله: «دولة قطر عكفت خلال السنوات الماضية على وضع ملامح استراتيجية مستقبلية، ترتكز على النمو والتوسع في قطر وخارج قطر»، لكن التوسع خارج قطر يبدو صعباً، حيث إن حقول الغاز المكتشفة في البحر المتوسط خرجت عن سيطرة قطر إنتاجاً وتصديراً باتفاقات بين الدول المنتجة واليونان لتوريدها إلى أوروبا. فيما تستحوذ روسيا على السوق الأوروبي، وحصة كبيرة من السوق الصيني أكبر مستهلك للطاقة في العالم.
منظمة «أوبك» لعبت دوراً محورياً في خدمة الدول الأعضاء وغير الأعضاء المنتجة للنفط، وأعادت التوازن إلى الإنتاج والأسعار بعد أن كانت في الحضيض، بحيث كانت الشركات الاحتكارية والمستوردة تربح أكثر من المنتجة. وشهدت سنوات السبعينات وأوائل الثمانينات سطوع نجمي وزيري النفط السعودي أحمد زكي اليماني والإماراتي مانع سعيد العتيبة في مجال هندسة الإنتاج، للحفاظ على أسعار معقولة لهذا الخام الحيوي. وتعرض النفط ومنظمة دوله المنتجة إلى حملة انتقادات غربية مبرمجة، وزوروا دراسات في مطلع الثمانينات تزعم أن عصر النفط سيقترب من نهايته مع ظهور مصادر بديلة قريبا، لكنها كلها كانت ضمن استراتيجية غربية لتحفيز الدول على زيادة المعروض لخفض الأسعار، وقد تبين لاحقاً كذب هذه المزاعم التي تم الترويج لها بغطاء بحثي علمي.
الرئيس الأمريكي ترامب عمد إلى انتقاد أسعار النفط وفتح المجال لإنتاج النفط الصخري غير عابئ بأثر ذلك على البيئة والمناخ، وزاد عدد منصات الحفر في بلاده لزيادة الإنتاج وابتزاز دول الأوبك، وطالب أكثر من مرة بخفض أسعار النفط. وبدأ الكونغرس رغم معارضة شركات نفطية أمريكية بإعادة تحريك قانون «نوبك» الذي يرفع الحصانة عن الدول والشركات النفطية الأجنبية أمام المحاكم الأمريكية وعارضه كل الرؤساء السابقين، ما يعني أن أي مواطن أمريكي يستطيع مقاضاة أية شركة أو دولة بتهمة الاحتكار ويطالب بتعويضات.
بعض المحللين يدق ناقوس الخطر من أن انسحاب قطر يعني احتمال انسحاب دول أخرى على خلاف مع السعودية مثل إيران، وكانت السعودية وثقت علاقاتها مع روسيا بشأن النفط، طلباً للتنسيق مع دول الأوبك. لكن المستقبل يبقى مجهولاً رغم أن أسعار النفط هبطت منذ يونيو الماضي بقوة.
ورغم ذلك فإن انسحاب قطر في هذا التوقيت بدا وكأنه هروب إلى الأمام ومحاولة لإرضاء ترامب وخلخلة «أوبك» وتسريع قانون «نوبك».

hafezbargo@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى