قضايا ودراسات

البساطة حرفة

عثمان حسن

بات واضحاً أن الأعمال الروائية الأكثر شهرة أو جماهيرية، هي الروايات البسيطة، وتتحدد معالم هذه البساطة في عناصر عدة أبرزها اللغة، ثم يأتي الموضوع، وغالباً ما يكون موضوعاً واقعياً أو من «قاع المجتمع»، وثالثاً الصياغة واللغة، وهذا العنصر الأخير، هو الأهم في كثير من الروايات التي تحقق جماهيرية عالية، وتتصدر قوائم مبيعات المكتبات والصحف العالمية مثل: النيويورك تايمز وغيرها.
هذه العناصر مجتمعة، لا تنجح بالضرورة مع كاتب غير موهوب، والكاتب لا يصل إلى مبتغاه، بمجرد اختياره للعنوان فحسب، بل هناك اشتراطات كثيرة مطلوبة لتقنع القارئ بدهشة العمل الأدبي، حيث الكتابة هنا مفتوحة على الحرفة، وقوة الصياغة، والإيحاء، والرمز، بالقدر ذاته من القدرة على معالجة الأحداث والشخوص.
ولا يمكن الحديث عن البساطة، من دون الحديث عن اللغة، واللغة في الرواية، هي سلاح ذو حدين، ويقال على سبيل المثال، إن أكثر الروايات الناجحة باللغة الإنجليزية، هي تلك التي تكشف عن براعة الروائي في اختيار جمل وتعابير قصيرة، وهذا يفسر الإقبال الكبير على قراءتها مقارنة بالروايات المكتوبة باللاتينية، كالإسبانية والبرتغالية، هذا بالطبع مع استثناء الكتاب الكبار الذين كسروا هذه القاعدة، كماركيز وبورخيس ويوسا وغيرهم، وهذا كله على الرغم من أن الإسبانية من أوسع اللغات انتشاراً في العالم.
في عالمنا العربي، تشكل اللغة تحدياً حقيقياً للروائي، فاللغة تختصر المعنى، وتوصل فكرتها بسهولة عند الروائي الجيد، وهي اللغة ذاتها التي تضيع في متاهة تشتت ذهن القراء، في دهاليز ومآزق هم في غنى عنها.
الكتابة الإبداعية بحسب معيار البساطة، هي في الوسط دائماً، من تلك الأفكار الجديدة، والواقعية، ومن قدرتها على جذب القارئ، سواء بميله للقصص الخيالية وغير الخيالية، وكذلك من قدرته على الإتيان بتعابير يفهمها جمهور واسع من القراء، وليست حصراً على النخبة، وهي بكل تأكيد ليست تلك الرواية التي تبحث عن أسرار ومعجزات، أو تفك شيفرات العوالم المغيبة أو الطلاسم، فهذه الموضوعات غالباً ما تنفّر القراء، الذين يبحثون عن شيء من المتعة في الأعمال الروائية، إلى جانب المعرفة والخبرة الثقافية.
الروائية الأمريكية دانييل ستيل، على سبيل المثال، والتي تحجز مقعدها دائماً في المراتب الأولى لأفضل المبيعات، حصدت روايتها «ذا كاست» أو «فريق التمثيل» في هذا العام قائمة الكتب الأعلى مبيعاً، بحسب «نيويورك تايمز» وغيرها من القوائم العالمية، وهذا راجع لبساطة موضوعها حول حياة صحفية تحظى بجماهيريه وشعبية واسعة، تحب أطفالها لكنها لم توفّق في زواجها وتفشل مرتين، والرواية تأخذ قراءها نحو عوالم وشخصيات وخليط من المشاعر الإنسانية التي حازت ثناء وإعجاب النقاد.

Ohasan005@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى