قضايا ودراسات

ما وراء «درع الشمال»

يونس السيد

طرحت عملية «درع الشمال» التي أطلقتها «إسرائيل» لتدمير أنفاق «حزب الله»، أسئلة أكثر بكثير مما قدّمته من إجابات عن السبب أو الأسباب الحقيقية التي دفعتها لتنفيذ هذه العملية بالشكل الذي تتم فيه، وفي هذا التوقيت بالذات.
ربما كانت «إسرائيل» تدرك أكثر من غيرها، أن «حزب الله» يعتمد على شبكة ضخمة من الأنفاق في جنوبي لبنان، قد يكون بعضها امتد إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وكان يجري الحديث، منذ عام 2014، عن أن سكان المستوطنات المحاذية للحدود أعربوا عن قلقهم، أكثر من مرة، لسماعهم أصوات عمليات حفر قريبة منهم، لكن كان يتم إبلاغهم في كل مرة أنه لا يوجد ما يهددهم. وبالطبع لا يمكن تصديق أن «إسرائيل» بكل ما تملكه من إمكانات تقنية وكل وسائل التكنولوجيا الحديثة والمتطورة لا تعلم بوجود هذه الأنفاق أو محاولات جعلها عابرة للحدود، في ظل تصريحات عديدة عن نقل المعركة إلى الجانب «الإسرائيلي» في أي حرب مستقبلية. لماذا إذاً يتم تصوير الأمر وكأنه مفاجأة، ويجري حشد المعدات والآليات العسكرية في عملية حددت أهدافها مسبقاً، وهي اكتشاف وتدمير أنفاق «حزب الله» على الجانب الذي تسيطر عليه «إسرائيل» دون الذهاب إلى الجانب اللبناني من الحدود. ومنذ متى كانت «إسرائيل» التي تلاحق «حزب الله» والقوات الإيرانية في سوريا، تقصر عملياتها على الجانب الذي تسيطر عليه؟
أولاً، لا بد من التذكير أن عملية «درع الشمال» جاءت بعد ساعات قليلة من لقاء نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بروكسل لبحث العملية والحصول على دعم واشنطن، خصوصاً إذا ما تطور الأمر إلى حرب.
وفي تفسير هذه التحركات ردّت المعارضة «الإسرائيلية» بأن نتنياهو يسعى إلى التهويل وتضخيم العملية، للهروب من فضائح الفساد وتوصيات الشرطة بتقديمه إلى المحاكمة، والهروب من الانتقادات التي يوجهها سكان مستوطنات الجنوب على حدود قطاع غزة بسبب فشل العملية العسكرية الأخيرة، إلى جانب الخلافات التي تعصف بائتلافه الحكومي واحتمالات الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
بهذا المعنى تشير المعارضة «الإسرائيلية» إلى أن نتنياهو يسعى إلى تصدير أزماته الداخلية عبر إعطاء الأولوية للأمن. لكنْ ثمة وجه آخر للعملية، وهو أن «إسرائيل» التي قيّدت حركتها في سوريا، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، وإدخال منظومة صواريخ «إس -300»، وفشل كل جهودها لاستعادة التنسيق الأمني مع الجيش الروسي كما كان عليه الحال من قبل، بما في ذلك فشل عملية القصف الأخيرة في 29 نوفمبر، حيث جاء القصف من خارج الأجواء السورية، أصبحت تتحدث عن انتقال الأنشطة الإيرانية وتركيزها في لبنان، ما يعني انتقال المواجهة إلى هناك. ومع أن الظروف لا تخدم «حزب الله» داخلياً بعد اتهامه بتعطيل تشكيل الحكومة، إلا أن اقتصار عملية «درع الشمال» على الجانب «الإسرائيلي» يشير، بحد ذاته، إلى تراجع قدرة الردع لدى جيش الاحتلال وعجزه عن تنفيذ تهديداته في الشمال أسوة بما حدث في الجنوب، لكن كل ذلك قد لا يمنع «إسرائيل» من الدخول في حرب جديدة، رغم كل ما يترتب عليها من نتائج وتداعيات.

younis898@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى