قضايا ودراسات

مُحلّل سياسي

د. حسن مدن

قبل سنوات طلبت إحدى الفضائيات استضافتي، عبر «سكايب» أو الهاتف، للحديث حول واحد من موضوعات الساعة في حينه، لم أعد أذكره.
قال لي المتصل من الفضائية المعنية لترتيب الأمر: كيف نُقّدمك يا أستاذ، ما الصفة التي ترغب أن نقّدمك بها؟ أجبته على الفور: كاتب من البحرين. صمتَ الرجل قليلاً، بطريقة أشعرتني أن ذلك لم يرق له، قبل أن يرد: أليس الأفضل أن نقول: محلل سياسي من البحرين؟ أجبته بلا، مضيفاً: يا أخي الكريم يناسبني أن تقدمني ككاتب فقط، فلست أعتبر نفسي محللاً سياسياً، فلذلك أهله من المختصين والضالعين بالأمر. ومرة أخرى ردّ عليّ بالتالي: ما رأيك لو قلنا كاتب ومحلل سياسي؟
انتهى الأمر بإصراري على الصفة التي طلبتها أنا لتقديمي، وهذا ما كان على كل حال، لكن الحكاية هذه تظهر الدرجة التي بلغها إعلامنا العربي، أو بعضه، في استسهال خلع الصفات والألقاب على من تستضيفهم الفضائيات، وربما الصحف أيضاً، رغم أنها لا تنطبق عليهم، ولا تتناسب مع قدراتهم الحقيقية.
حين نشاهد المتابعات اليومية للأحداث الجارية في المنطقة، التي تبث من على الشاشات، وأنا واحد من المهتمين بمتابعة ذلك، يصدمنا المستوى الضحل في المعرفة والإحاطة بالموضوعات التي يتم استضافة البعض للحديث حولها، ويقدمون على أنهم محللون سياسيون، أو مختصون في الشؤون الاستراتيجية وما إلى ذلك من ألقاب ملؤها التفخيم والتضخيم لما لا أساس له.
وبإمكان الواحد منا أن يعقد مقارنة بين هؤلاء والضيوف الأجانب الذين تستضيفهم فضائياتنا للحديث حول نفس الموضوعات، لنلحظ الفارق الكبير، حيث إن الأخيرين عادة إما هم مسؤولون سابقون في مراكز حسَّاسة في بلدانهم، أو أنهم يعملون في مراكز أو معاهد للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية أو إدارة الأزمات وما إلى ذلك.
في جعبة الواحد من هؤلاء المُحللين الأجانب مخزون من الخبرات والتجارب، فضلاً عن المعطيات والمعلومات التي تجعلهم حين يتحدثون في الموضوع مدار النقاش يتحدثون عن أمور يعرفونها، ويقدمون من الإضاءات والتوقعات ما هو مبني على كل ذلك، ما يمكنهم من تقديم تحليلات سياسية مقنعة، سواء راقت لنا أم لم ترق، وافقنا عليها أو لم نوافق.
على ضفة الكثير من «محللينا» نجد العكس تماماً. حين يدورون في دوائر من الكلام السطحي والشعاري المكرر في غالبه، للدرجة التي تجعلنا نشفق عليهم ونسخر من الصفات التي يقدمون بها أنفسهم، أو يقدمهم مستضيفوهم بها.

madanbahrain@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى