قضايا ودراسات

دهشة المألوف

محمدو لحبيب

يحدث أن تستفزك رواية ما فتقرأها بمنتهى الشغف ودون أن تتوقف إلا لحاجة ضرورية جداً، وقد يحدث أن تكون الحكاية التي تجسدها تلك الرواية عادية جداً، كقصة حب مثلاً تنتهي بالزواج وإنجاب البنين والبنات، وقد تكون حكاية اجتهاد عامل في عمله، إلى انتقاله وترقيه في سلم النجاح حتى يصبح صاحب العمل أو مديراً فيه، وقد تكون حكاية واقع اجتماعي أو سياسي معروف ومشاهد يومياً في حاضرنا، وبشكل عام تكون تلك الرواية غير مختلفة ولا مدهشة ولا جديدة في موضوعها، لكن ما يشدك فيها هو براعة مؤلفها في رسم الشخصيات، بحيث تبدو كما لو أنك لم تشاهد ولم تسمع في حياتك عن مثل هذه النماذج من البشر.

تلك البراعة هي على الأغلب ما يمكن أن يجعل بعض الروائيين قادراً على الكتابة عن أي موضوع من المواضيع النمطية العادية دون أن يكون مملاً، لكنها تتطلب أشياء عديدة من بينها أولاً وقبل كل شيء الموهبة، فليس كل أحد يمتلك تلك الخاصية السردية، وهي قطعاً لا يمكن اكتسابها بالتعلم.
ثم إنها أيضاً تنتج عن قوة رصد غير عادية للتفاصيل الصغيرة، وإجادة تقديمها في إطار السرد، والإضاءة عليها بحيث تبدو واضحة للقارئ، وبحيث تكمل أمامه صورة واقعية للشخصيات التي تتناولها الرواية، ففي خضم الصراع مثلاً يمكن للكاتب أن يقدم وصفاً لطريقة الشاي المعد من قبل إحدى الشخصيات في الرواية، وكيف أتقنتْ إعداده، وينهمك في وصف مذاقه ولونه، وقد ينبري الكاتب لوصف غرفة ما أو طريقة تموضع بعض الكتب أو الأشياء فيها فقط لأن إحدى شخصياته في قمة الفعل الدرامي لها تجلس هناك.
ومن الأمور التي تتجلى فيها كذلك براعة رسم الشخصيات عند بعض الروائيين القدرة على التقاط المشاعر المخبأة في أغوار النفس من خلال بعض المواقف البسيطة التي تكشف تلك المشاعر والانفعالات، فأن نكتشف مثلاً في إحدى الروايات، أن إحدى الشخصيات تصل إلى درجة من الانضباط في العمل والاستغراق فيه، بحيث تنسى أو تتناسى، أو تضمر في نفسها أي حزن أو أي انشغال خارجي، مهما بلغت قوة ارتباطه وتأثيره فيها، فنحن هنا أمام تجل غير عادي وصراع نفسي تعكسه شخصية عادية، وقد يتولد حولنا في الواقع ملايين المرات دون أن نلاحظه أو نهتم به.
ربما تلك البراعة هي التي تجعل البعض يرى أن الرواية هي القدرة على التقاط شخصيات عادية مألوفة للقارئ تشبهه أو تشبه من يعرفهم، ثم تقديمها بشكل غير عادي، وبتجل يكشف ويحلل مشاعر ومشاهد لا تظهر عادة في الواقع بشكل بارز.

pechike@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى