قضايا ودراسات

ملاحظات على المجلس الوطني الاتحادي

حبيب الصايغ

يعيد توجيه صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بشأن مشاركة المرأة في المجلس بمقدار النصف، المجلس الوطني الاتحادي إلى الواجهة؛ كون الخطوة دليلاً دامغاً على أن المجلس يقع في صميم اهتمام القيادة، وعلى أن تفعيل المشاركة هاجس لدى رئيس الدولة ونائبه.
فحين يوجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بزيادة عدد النساء في المجلس، وينقل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، التوجيه السامي بكل فرح وإصرار، وعندما يغرد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مهنئاً ومؤيداً، فإن المعنى أن المجلس الوطني في الواجهة أو يعود إلى الواجهة.
فإلى أي مدى تعتبر عبارة: «يعود إلى الواجهة» دقيقة؟.
هذه وجهة نظر تُطرح للنقاش، ويحتمل أن تكون خاطئة قبل أن تكون صحيحة، ولذلك فإن آراء المجتمع خصوصاً أعضاء المجلس الحاليين والسابقين، مهمة وضرورية، وكذلك آراء الوزراء والمسؤولين والمعنيين، إلى سائر فئات وأطياف المجتمع. وبغية التحديد والتكثيف، لا بد من وضع الموضوع ضمن النقاط التالية، على أن يكون هذا المقال حلقة أولى من سلسلة تتناول المجلس الوطني من نواحٍ متعددة.
أولاً: يفترض أن ما أُعلن أمس، إشارة أولى إلى المرحلة المقبلة من عمل المجلس؛ حيث ينتظر تشكيل اللجنة الوطنية العليا للانتخابات، ولا يظننّ أحد أن ذلك مبكر؛ بل على العكس، حيث كانت العادة من قبل تشكيل اللجنة المعنية قبل استحقاق الانتخابات بنحو سنة ونصف السنة وسنتين، وأمامنا الآن أقل من سنة، فما هو سبب ذلك؟ سؤال مشروع تماماً.
ثانياً: السؤال المشروع الثاني.. إلى متى نظل أسرى ذاكرة المجلس الوطني المحصورة في فترة إجراء الانتخابات. فجأة، مع حديث الانتخابات يتحول المجلس الوطني إلى قضية تملأ الدنيا وتشغل الناس، وفجأة يختفي ذكر المجلس أو يكاد بمجرد أن ينتهي دور الانعقاد العادي الأخير، وينفضّ السامر. ماذا يستطيع المجلس الوطني أن يعمل حيال ذلك، وهل هو تقصير مجتمعي أيضاً؟، والمجتمع ملزم بالإسهام في إنجاح مسار المشاركة السياسية المتدرج، وهو جزء عزيز من نهج التمكين الذي أطلقه صاحب السمو رئيس الدولة، في اليوم الوطني 2005.
ثالثاً: أثبت المسار المتدرج حتى الآن، نجاحاً منقطع النظير. المسار متفرد، وقد رأينا، بأم أعيننا، أنه الأنسب، وفيما كانت تجربتنا تواصل النجاحات المتوالية كل فصل تشريعي، رأينا كيف تعثرت تجارب دول قريبة وبعيدة، ورأينا كم أن الثمن هناك باهظ.
المسار المتدرج منسجم مع دستور الإمارات، ومع روح الإمارات، لكن تفعيل أداء المجلس، وفق رؤية المسار المتدرج نفسه، لا يعتمد على النصوص فقط، فكل نص ابتداء وانتهاء هو أصم، ولن يتكلم أو يسمع إلا بإحيائه من قبل البشر، سواء كانوا أعضاء في المجلس أو مسؤولين حكوميين. وسنطرح هنا فرضية أن عملية الإحياء كانت متفاوتة، حسب رؤساء وأعضاء المجلس، ووفق تعاون الحكومة خلال الفصول التشريعية المتعاقبة.
رابعاً: المسار المتدرج لا يعني الجمود؛ بل إنه يعني الحركة في أفق الدستور واللائحة، والمسار المتدرج لا يعني عدم استثمار سقف المجلس الذي هو أعلى مما هو مستخدم بكثير، كما أنه لا يعني السعي إلى تعديلات دستورية متصلة بعمل المجلس الوطني وأدائه، وفي مقدمتها زيادة عدد الأعضاء الذي ظل كما هو، منذ إطلاق المجلس منذ نحو خمسة عقود، والمقترح هنا، السعي نحو تعديل المادة الثامنة والستين من الدستور، ومضاعفة عدد الأعضاء من أربعين إلى ثمانين، خصوصاً مع وجود مسوغات مقنعة.
فلا يُعقل أن تمر نحو خمسة عقود، وتنشأ في الإمارات عشرات الجامعات بعد أن لم تكن لدينا يوم أطلق المجلس جامعة واحدة، وأن يزيد عدد السكان والمواطنين بهذا الشكل، وأن نصل إلى هذا المستوى من الأداء الحكومي المتميز، وأن نحقق هذا التقدم التقني والعلمي، وصولاً إلى غزو الفضاء، ويظل عدد أعضاء المجلس الوطني على حاله؛ بل إن إقرار الانتخابات النصفية مسوغ قوي، وكذلك القرار الأخير بوصول المرأة إلى نسبة 50% مسوغ آخر لا يقل قوة عن سابقه.
خامساً: مهم جداً تناول مسألة العلاقة بين المجلس والحكومة بكل صراحة وشفافية، فهل ما زالت قوية وفاعلة كما كانت في فترات سابقة؟ كم من توصيات المجلس تتحول اليوم إلى قرارات حكومية؟.
ولا علاقة لما يقال هنا بالأشخاص، فكل من تولى مسؤولية وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي، صالح وناجح، لكن لماذا تم تكليف وزير مشغول بوزارة خدمات كبرى، وناجح لا شك في كل المواقع التي تولاها، بوزارة تسهم في تعميق العلاقة بين مجلس الوزراء والمجلس الوطني، وذلك بعد تكليف وزير أصيل بها.
هذا حتى إذا لم يكن التصور حقيقياً، يوحي بشيء من عدم الأهمية.
سادساً: يلاحظ كثيرون أن شفافية المجلس لم تعد كما كانت في مراحل سابقة، وأن علاقته مع الإعلام ومع الناس قد بهتت إلى حد بعيد، ونريد من أعضاء المجلس التصحيح، وإيراد الأسباب في الحالين.
سابعاً: ننطلق في كل ما مضى وما يلي، هنا أو في مقالات مزمعة، من أهمية المجلس الوطني الاتحادي كمؤسسة وطنية وسلطة دستورية، والأمل أن تُفهم مقاصد هذا المقال بعيداً عن الشخصنة. لقد تم الحديث عبر أسئلة حائرة أو أجوبة غير قطعية عن المجلس كمؤسسة، وليس عن أفراد بعينهم، وفي كل خير.
وبقي تأكيد أهمية وضرورة الخطوة المعلنة، فزيادة مقاعد المرأة في المجلس الوطني مكسب كبير، مع المطالبة بالإسهام الإيجابي النوعي. الرجل لا يضيف إلى تجربة المجلس الوطني باعتباره رجلاً، والمرأة لا تضيف إلى التجربة البرلمانية باعتبارها امرأة. العطاء كلمة محايدة وكذلك النجاح، وكذلك الوعي بما فيه الوعي السياسي خصوصاً، وعلى الأعضاء من الجنسين العمل الجاد نحو مزيد من إنجاح المسار المتدرج للمشاركة السياسية في بلادنا.
كما يبقى التشديد على أن القيادة ترسل بهذا التوجيه رسالة واضحة إلى المؤسسات والمجتمع: التوازن بين الجنسين توجه إماراتي يمثل إطاراً نظرياً وعملياً، مؤداه تعزيز المساواة بين أفراد المجتمع، ولا معيار بعد ذلك إلا معيار الكفاءة والإخلاص.

habibalsayegh778@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى