قضايا ودراسات

عزوف مبرر

محمد رباح
الحديث عن مشكلة تربوية شيء، وتحميل مغبة حدوثها لجهة محددة شيء آخر، وفيه الكثير من التجني، بالأخص إذا كانت المشكلة وليدة ثقافة مجتمعية، تتعلق بحرية انتقاء مهنة مستقبلية، تدخل عدة عوامل في انتقائها، ومشكلة عزوف المواطنين عن مهنة التعليم، إحدى هذه المشكلات التي تتجدد، إلا أن تبعاتها تدعو للقلق، حيث أعداد العاملين منهم في الميدان آخذة بالانحسار، حتى أنه لا يكاد تطوى صفحة عام دراسي، إلا وتتهافت الاستقالات وطلبات التقاعد المبكر من كل حدب وصوب، لأسباب ترتبط بمجملها بتواضع دخلها المادي بالنظر إلى صعوبتها، وما تتطلبه من جهد مضاعف، يفوق امتهان أي وظيفة أخرى، تدر أموالاً، توفر لممتهنها استقراراً أسرياً أفضل.
لا أحد منا ينكر أن اختيار وظيفة المستقبل حرية شخصية، تغذيها آراء الأسر، التي تنفخ في روح الفرد منذ صغره توجهه المستقبلي. ولإدراك ذلك، يكفي التوجه بالسؤال لأي طفل عن ما يريد أن يصبح عليه في المستقبل، ليأتي الجواب الشافي، حيث يحلم الجميع بأن يصبحوا أطباء أو مهندسين، بعد أن زرع فيهم أولياء أمورهم حب تلك المهن، التي تحاكي فضول الأطفال حتى في المسلسلات التلفزيونية والأفلام التي لم يعد يجد المعلم له فيها موطئ قدم، وحتى إن وجد، تراه يتقمص دوراً يزيد من كرههم لهذه المهنة التي يشفق أحدهم فيها على المعلم، بعد أن عاينوا في الحقيقة ما يتذوقه من مختلف أنواع التعب يومياً في فصول تكبّل أحلام من يحاول منهم مجرد التفكير في امتهان التعليم.
أسباب العزوف لا تقف عند هذا الحد، فتواضع جهود المعنيين بحل المشكلة يزيد من تفاقمها، وحزمة الحلول الموضوعة حتماً لن تفلح في معالجتها، فالحوافز الأدبية التي وضعتها وزارة التربية والتعليم لا تعتبر حلاً جذرياً، حيث من شأنها فقط المحافظة على الكادر الحالي، لا استقطاب المزيد من المواطنين، الذين ينؤون بأنفسهم عن مجرد دخول معترك التدريس، ولهم كامل الحق، إلى حين إعادة هيكلة الرواتب بشكل جذري، وجسر الهوة بين ما يتقاضاه المعلم في المدارس الحكومية والخاصة، أو بعض المجالس التعليمية، فضلاً عن إعادة شيء من هيبة المعلم المفقودة.
المسألة تحتاج إلى حلول جذرية، قبل أن يأتي يوم تقتصر فيه مشاركة الكادر التعليمي المواطن على الوظائف الإدارية، وحينها كما جرت العادة، سترتفع الأصوات المستغربة من هجر المهنة، التي لن يكون المواطن الممتهن لها أوفر حظاً في ظل الدلالات الحالية، التي تشير بمجملها إلى أن لا حل قريباً لمسألة الكادر المالي.

pressrabah@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى