قضايا ودراسات

كرامب مقابل ترامب

مفتاح شعيب

وضعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نقطة النهاية لمسيرتها السياسية بانتخاب أنغريت كرامب كارينباو رئيسة لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، لتكون الخليفة الأكثر ترجيحاً لحكم ألمانيا بعد انتهاء ولاية المستشارة الحالية عام 2021، وهي خطوة جنبت برلين السقوط في أزمة سياسية ومنحتها فرصة إضافية للتصدي لتمدد الشعبوية الفظة والتيارات اليسارية الثائرة على الأنماط السائدة.
في ألمانيا كان انتخاب كرامب أهم حدث في هذا العام الذي يلملم آخر أيامه على وقع تحولات كبيرة تعصف بأوروبا وبالعلاقات داخل المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وأكبر سمات هذه الاضطرابات ما تشهده فرنسا ودول أخرى من احتجاجات عنيفة لظاهرة «السترات الصفراء»، التي مازالت تثير التساؤلات عن أسبابها وأهدافها، وعن المستفيدين منها. وبينما هناك من يرجع نشوء هذه الحالة في فرنسا إلى «الدولة العميقة» غير المنسجمة مع رؤية «الجمهورية إلى الأمام» التي يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون، فإن الوضع مختلف في ألمانيا، ف «الدولة العميقة» هناك في قلب السلطة، ولم تطرأ عليها توجهات سياسية مناوئة، ويعود ذلك أساساً إلى متانة المؤسسات ورسوخها، وقدرتها على استيعاب الحراك الاجتماعي. ولكن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، يتحسب للأسوأ ولا يريد أن يواجه مفاجآت في المستقبل، لا سيما بعد أن أحس بالخطر في الانتخابات التشريعية العام الماضي، بعد أن حققت التيارات الشعبوية تقدماً واستطاع حزب «البديل» أن يتمثل في البرلمان ويحتل المرتبة الثالثة.
المراقبون في ألمانيا يرون في كرامب نسخة من ميركل، مع اتجاه أكثر نحو اليمين المحافظ. وترجح المعطيات الأولية عن شخصية هذه السيدة قدرتها على مواجهة العقبات المتوقعة، كما يمكن أن تمثل تياراً مختلفاً عن سياسة ميركل يمكنها من كسب أصوات الغاضبين داخل حزبها أو في الرأي العام الألماني، دون إغفال أن كرامب ربما تعمل في المستقبل لتشكل ظاهرة عقلانية وواقعية أمام الظواهر الفوضوية التي بات يتزعمها حاليا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعض الشعبويين الذين يريدون خطف أوروبا من نهجها الوسطي العقلاني، على الأقل في الدول المحورية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
لن تتضح على الفور ملامح سياسة عميد الأحزاب الألمانية، الذي ولد من رحم دمار برلين في الحرب العالمية الثانية، ولكن المؤكد أنه سيعدل مقارباته ورؤاه وفق المتغيرات الجديدة، كما سيكون محاولة أوروبية جديدة لاستنهاض القارة من وضعها المتدهور أمام القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، وذلك لن يتضح أكثر إلا بعد عامين من الآن، فإذا تمكن ترامب من الفوز بولاية رئاسية جديدة في البيت الأبيض وواصل سياساته الحالية، فسيكون العبء كبيراً على ألمانيا ومستشارتها المفترضة أنغريت كرامب، أما إذا حدث أي تغيير في واشنطن سواء بعد الانتخابات أو قبلها، فسيتطلب الوضع عملاً جباراً أيضا لجعل ألمانيا شريكاً باسم أوروبا مع الأطراف الدولية الأخرى وليست تابعة لأي طرف.

chouaibmeftah@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى