قضايا ودراسات

اللاجئون وإفشال محاولات إلغاء حق العودة

عوني فرسخ

دعا جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب وأبرز مستشاريه السياسيين، لتجنيس الفلسطينيين وإسكانهم في الأقطار العربية، مستهدفاً بذلك إلغاء حقهم المشروع بالعودة لديارهم. وليست هذه هي الدعوة الأمريكية الأولى لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وإلغاء حقهم بالعودة، فمنذ العام 1949 توالت الدعوات الأمريكية لتوطين اللاجئين، ولكنها تكسرت على صخرة إصرار الشعب العربي الفلسطيني على حقه بالعودة لديار آبائه وأجداده كغيره من الشعوب، كما تقضي شرعة حقوق الإنسان بالنص على أنه من حق الإنسان الخروج من وطنه والعودة إليه. فضلاً عن أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في 1948/12/11 القرار رقم 194 الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لديارهم واسترداد أملاكهم. كما أصدرت الجمعية العامة تعليماتها إلى لجنة التوفيق الدولية بتسهيل إعادة اللاجئين، وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم اقتصادياً واجتماعياً، وكذلك دفع تعويضات عن ممتلكاتهم التي اضطروا لتركها بفعل اعتماد العصابات الصهيونية استراتيجية التطهير العرقي والتهجير القسري «الترانسفير» لتطهير الأرض التي تحتلها من مواطنيها العرب. وكان المؤرخ «الإسرائيلي» إيلان بابيه أدق من وثَّق استراتيجية التطهير العرقي لشعب فلسطين، المعتمَدة من القادة الصهاينة من هرتزل إلى بن غوريون.
وحول التهجير القسري (الترانسفير) كتب المؤرخ «الإسرائيلي» بني موريس يقول: من نيسان/إبريل 1948 وبن غوريون يحث على «الترانسفير»، وليست هناك أوامر صريحة ومكتوبة منه، كما ليست هناك سياسة مرتبة، ولكن الضباط فهموا المطلوب منهم. وتحت قيادة بن غوريون نشأ إجماع حول «الترانسفير». ويضيف بني موريس: «لقد كان بن غوريون على حق، ولو لم يفعل ما فعله لما قامت الدولة. ينبغي أن تكون المسألة واضحة، ويستحيل التهرب منها، فمن دون اقتلاع الفلسطينيين لم تكن لتقوم هناك دولة يهودية».
وتوضح المصادر التي وثَّقت لقضية اللاجئين أن القوات الصهيونية احتلت 78% من مساحة فلسطين في حرب 1949/1948. وباعتمادها استراتيجية التطهير العرقي والتهجير القسري اضطر 61% من مواطنيها العرب على مغادرة ديارهم، مخلفين وراءهم عقاراتهم ومتاجرهم ومراكز عملهم. ويذكر د. سلمان أبوستة، الباحث العربي المختص بموضوع اللاجئين أن الصهاينة احتلوا حينها 530 مدينة وقرية، مساحتها 92% من مساحة «إسرائيل» سنة 1949، ويبلغ سكانها 805 آلاف مواطن.
فيما توضح دراسة د. عاطف قبرضي، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسة في جامعة ماكماستر الكندية، أن قيمة العقارات والأموال المنقولة التي خلفها اللاجئون في فلسطين سنة 1948 تبلغ 57.8 مليار دولار بأسعار ذلك الزمن، وعائدها السنوي 2.3 مليار دولار.
ومنذ الأيام الأولى للنكبة، استقر في فكر ووجدان غالبية الشعب العربي الفلسطيني، وبخاصة اللاجئون من أبنائه، وسكان المخيمات على الأخص، الإدراك بأن تحرير الأرض المحتلة والعودة إليها نقيض النكبة.
وكانت لجنة التحقيق الدولية قد أنشأت سنة 1949 «لجنة الأمم المتحدة للمسح الاقتصادي» لدراسة احتمالات توطين اللاجئين في المشرق العربي، وأسندت رئاستها إلى جوزيف كلاب، وهو أمريكي كان يترأس سلطة وادي تنيسي. وبعد دراستها الأوضاع الاقتصادية في المنطقة قدمت تقريراً في نوفمبر/تشرين الثاني 1949 متضمناً القول إن اللاجئين يؤثرون العودة إلى ديارهم. وحتى لو قيل لهم إن بيوتهم دمرت يردون إن الأرض باقية.
ومع أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء «وكالة الغوث» (الأونروا) لم ينص صراحة على توطين اللاجئين، إلا أن التوطين كان مستهدفاً من إنشائها.
وأثناء استقبال الرئيس الأمريكي كلينتون لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، أكد الأخير تمسكه بكل من القدس وحق العودة باعتبار الالتزام بالدفاع عنهما ثابتاً أساسياً من الثوابت الفلسطينية والفكر القومي العربي. وذلك ما أجمعت على الالتزام به جميع فصائل المقاومة الفلسطينية ولما تزل حريصة على تأكيد الالتزام به، على الرغم من كل ما استجد على ممارسات وسلوكيات بعضها.
جدير بتذكير كوشنر به أن الوكالة اليهودية في فلسطين بعيد إصدارها «وثيقة الاستقلال» ليلة 1948/5/14 أصدرت «قانون العودة» الذي يتيح لكل يهود العالم على اختلاف أصولهم السلالية، وانعدام أي صلة تاريخية لآبائهم وجدودهم بأرض فلسطين «حق» العودة الى «إسرائيل» واكتساب الواحد منهم جنسيتها فور وصوله أرض فلسطين المحتلة، دون أن تعترض على ذلك أي إدارة أمريكية خلال السنوات السبعين الماضية.
وأن تكون هذه هي الحقيقة التاريخية لكل من حق العودة العربي «وقانون العودة» الصهيوني، ففي حكم المؤكد أن دعوة كوشنر لتجنيس الفلسطينيين وإسكانهم في الأقطار العربية سوف تتكسر على صخرة التزام شعب فلسطين وأمته العربية بحق العودة الذي لا عودة عنه. كما كانت قد تكسرت مبادرات توطين اللاجئين خارج أرض آبائهم وأجدادهم التي توالت منذ العام 1949.

admin@afcocpa.ae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى