قضايا ودراسات

عن السلام في فلسطين

د. غسان العزي
دونالد ترامب ليس أول رئيس أمريكي يعلن عزمه على إنهاء الصراع العربي- «الإسرائيلي»، فقبله كل الرؤساء الأمريكيين كانوا تقدموا بمبادرات للتسوية، وبذلوا جهوداً من أجلها، وكان نصيبها جميعاً الإخفاق بسبب التعنت «الإسرائيلي» تحديداً. لكن ترامب مازال يفتقر إلى برنامج، أو خطة لتحقيق مثل هذه التسوية، معتبراً أنه سيدعم الحل الذي يتوصل إليه الفلسطينيون و«الإسرائيليون» بالمفاوضات، وبالتالي فهو لا يأتي بجديد حتى على مستوى الكلام، فضلاً عن الأفعال.
في سفره الأول كرئيس خارج بلاده، اختار ترامب المنطقة العربية، وبعد السعودية قضى ثماني وعشرين ساعة في «إسرائيل»، مع مرور سريع لدقائق، رفعاً للعتب، في رام الله. في «إسرائيل» كرر المواقف الرمزية فانحنى أمام حائط المبكى، وزار متحف الهولوكوست، حيث تفوه بعبارات، ووعود. كرر ترامب كلمة «سلام» بطريقة ممجوجة ،فأفرغها من معانيها، من دون أن يشرح ماذا يعني «السلام» بنظره وكيف السبيل إليه. لم يحدد إطاراً، ولا برنامجاً، ولا روزنامة، أو خريطة طريق لهذا «السلام»، فكانت مجرد كلمات تسعى لإرضاء الجميع.
لم يأت ترامب على ذكر الدولة الفلسطينية، الموعودة ولا حل الدولتين، ولا الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية، ولا الاحتلال «الإسرائيلي»، ولا قرارات الأمم المتحدة، والشرعية الدولية. فعن أي سلام تكلم الرجل؟
عن «السلام» بالمفهوم الليكودي المتطرف على الأرجح. «السلام» الذي لا يعني أكثر أو أقل من الاستسلام الفلسطيني، وبالتالي العربي والإسلامي للشروط «الإسرائيلية».
خطاب ترامب في المتحف اليهودي، حيث أكد أن «ستة ملايين يهودي» قضوا في المحرقة النازية، كان مجرد كلمات تسعى للاستحواذ على رضا مضيفيه الذين صفقوا له بحماس مراراً، وتكراراً. كان نتنياهو أسعد السعداء بهذا الكلام الذي علق عليه أحد الصحفيين «الإسرائيليين» بالقول إن ترامب هو بصدد التقدم بطلب الانضمام إلى حزب الليكود.
أكد ترامب على الصلات القديمة جداً التي تبلغ آلاف السنين ل«الشعب اليهودي» بمدينة القدس، متجاهلاً تماماً (أو جاهلاً ربما) بأن الفلسطينيين هم من يسكنون هذه المدينة منذ اثني عشر قرناً بشكل متصل متواصل، في حين أن اليهود كانوا طارئين عليها، ولفترة أربع قرون بشكل متقطع غير متواصل. كان على مستشاريه أن يقرؤوا بعض أعمال «المؤرخين الجدد» (الإسرائيليين) أنفسهم،أمثال شلومو صاند في كتابيه: «كيف تم اختراع الشعب اليهودي»، أو «كيف تم اختراع أرض إسرائيل»..الخ.
قدم ترامب شهادة سلوك عن محمود عباس، قائلاً إنه فعلاً يريد السلام، كأن كل التنازلات التي ما انفك يقدمها الفلسطينيون منذ أوسلو، العام ١٩٩٣، إلى اليوم لا تكفي لإثبات توقهم إلى السلام. وقال ترامب «لن يكون تحقيق السلام سهلاً، نحن نعلم ذلك. الطرفان الاثنان ينبغي أن يتخذا قرارات صعبة». فما هي القرارات التي على الفلسطينيين أن يتخذوها أكثر من قبولهم بأقل من ٢٢٪ من أرض فلسطين التاريخية (التي هي أرض أجدادهم منذ قرون طويلة)، وما القرارات التي على «إسرائيل» اتخاذها سوى القبول بالشرعية الدولية، وتطبيق قراراتها الصادرة عن مجلس الأمن الدولي؟ وما على الولايات المتحدة من قرارات تتخذها سوى القليل من الموضوعية والحياد؟
في مقابل كل المدائح التي كالها ل«إسرائيل»، والوعود التي التزم بها حيالها، فإنه في رام الله دعا الرئيس الفلسطيني إلى وقف الحض على العنف، ومكافأته، في لهجة اتهامية واضحة بديلاً عن الوعد بدعم مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. لقد كان نتنياهو مغتبطاً جداً بهذا الكلام، فأضاف إليه أمام ضيفه الأمريكي: «يجب أن يتوقف تمويل ومكافأة الإرهاب».
بالطبع، لا يملك الرئيس الفلسطيني أكثر مما فعله، وهو التأكيد أمام ضيفه الأمريكي على حل الدولتين على طول حدود العام ١٩٦٧ مع دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية تعيش جنباً إلى جنب مع دولة «إسرائيل» في استقرار وسلام.
يستطيع السجناء والأسرى الفلسطينيون أن يموتوا تعذيباً، أو جوعاً بعد إضرابهم عن الطعام منذ أكثر من شهر، فهم لا يستحقون من رئيس القوة الأعظم كلمة واحدة، أو مبادرة تكون في الحد الأدنى بمثابة دعم للسلطة الفلسطينية، وتبريراً لاحتفائها بزيارة ترامب.
من ناحية أخرى، أبدى ترامب قناعته بأن توصل «الإسرائيليين» والفلسطينيين إلى السلام يطلق مسار سلام في كل الشرق الأوسط. وهذا الكلام يبدي في ظاهره تناقضاً مع رؤية نتنياهو الذي يريد تطبيعاً للعلاقات مع الدول العربية قبل تحقيق أي تقدم جوهري نحو سلام حقيقي مع الفلسطينيين.Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى