قضايا ودراسات

لمحات من الفكر السياسي للنبي محمد صلي الله عليه وسلم

أ.د. محمد سليمان

جامعة ليدز – المملكة المتحدة

في زمن كانت فيه العنصرية والعبودية المتفشية والتمييز العرقي القائم على الانتماءات القبلية الجائرة هي القاعدة، وقف النبي محمد  كمثال رائد على كيفية تعامل البشر مع بعضهم البعض. ولما كان النبي محمد  كشخص كامل الصفات في كل مناحي الحياة والتوجهات بل والمعاملات، ولا يمكن مقارنته بأحد إجلالاً وعظمة ورفعة، فمن المهم أيضا أن نتذكر إنسانيته. ومن ثم، وإذا كان النبي محمد  لا يزال إنسانًا مثلنا تمامًا. فإن إخلاصه لإقرار المساواة والعدالة والخير إنما يكمن في صميم رسالته النبوية، حيث يعلمنا أنه بتوحيد الربوبية لله جل في علاه إنما يأتي بمسؤوليات حول سلوكنا كبشر داخل المجتمع.

ويمكن القول أن النبي  صعد في أفق النشاط السياسي، وعلّمنا أنه يجب علينا السعي أيديولوجياً وفكرياً ومعنوياً نحو تحسين مجتمعاتنا من أدني مقوماتها إلى الأعلى منها. وفي عالمنا اليوم، الذي يتفشى فيه الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا)، وخطاب الكراهية، والعنصرية، والخطابة غير المتوازنة التي تأتي من أعلى مستويات الحكم، يصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نتذكر النبي محمد  ورسالته: ومن ثم يجب أن نسعى دائمًا نحو ما هو جيد وأن نتصدي وبشدة إلي أولئك الذين يحاولون قمع وإيذاء الآخرين.

وإليكم ثلاثة أمثلة من النبي محمد  تؤكد وبوضوح علي اكتمال فكره السياسي، وكيف يمكننا أن نتعلم ونستفيد منها اليوم:

  • قبل النبوة:

كفل الرسول الكريم  سلامة التجار الأجانب والمسافرين في المنطقة:

خلال الأيام الأولى للنبي  وقبل نزول الوحي، كان يسافر غالبًا مع عمه من أجل التجارة، وشاهد العديد من المشاهد التي أزعجته بشدة. وعلى وجه الخصوص، في سوق “عكاظ”، كان هناك معرض سنوي هائل كان يقام خلال شهر ذي القعدة، حيث كانت الألعاب القتالية والأفعال الفاسدة من حالات السكر والدعارة والفساد العام متفشية.

ولما كانت قبيلة قريش القبيلة الرائدة في المنطقة، وقد شهد النبي محمد  هذا الحلف قبل بعثته وله من العمر 20 سنة، وقال عنه: وقال عنه لاحقا: ” لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت”. و كان الحلف يهدف إلى وقف الفساد المتفشي ومشاهد التدهور الأخلاقي البارز في المنطقة. والأهم من ذلك أن الحلف ساعد ضحايا القمع السابق وحمي المسافرين الأجانب إلى المنطقة، الذين تعرضوا في السابق للغش أو والإضرار أو الإزعاج من قبل السكان المحليين. والشاهد علي ذلك أن الفرقاء تعاهدوا ليكونوا يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التأسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا: “لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر”.

ويُعد التزام النبي  بضمان سلامة وحماية المسافرين والتجار وأولئك الذين ليس لهم حقوق من قبل مثالًا عميقًا على ما يمكن أن نسميه مؤقتًا النشاط السياسي – فهو لا يناضل فقط بنشاط من أجل المعاملة المتساوية لجميع الشعوب، بصرف النظر عن الانتماء القبلي أو الوضع الاجتماعي، لكنه ساعد أيضًا في إنشاء رابطة (حلف) من شأنها أن تساعد رسميًا في إنشاء نظام لحماية الحقوق. وكانت هذه خطوة مهمة في مهمة النبي  الأوسع نطاقًا في وقت لاحق، وبعد بُشر بالنبوة، سُئل في مناسبات عديدة عن رأيه في مشاركته في الحلف. وكان رد النبي : “إذا استمر الأمر كذلك حتى الآن (أي بعد بدء المهمة النبوية) سوف أقبله”.

  • الرسول وبلال:

كان بلال، أحد أوائل الأفارقة الذين اعتنقوا الإسلام، وقد كان عبداً من الحبشة. نشأ في العبودية، وكان بلال عبداً لأمية بن خلف، الذي لم يكن مسلماً. وعلى الرغم من أن مالكه كان يعبد الأصنام، إلا الإسلام وقع في قلب بلال، فأصبح مسلماً دون أن يجهر بإسلامه عندما كان عمره حوالي 40 عامًا.

ولسوء حظ بلال، عندما اكتشف أمية بن خلف نبأ إسلامه، أقام عليه لهيباً من التعذيب. حتي أنه ربطه بالأرض الملتهبة رمالها بفعل حرارة الشمس ووضع علي بطنه حجراً ثقيلاً حتي أن بلالاً سقط في حالة من الإعياء الشديد وأغمى عليه الألم، وعندما استيقظ وجد الحجر لم يعد على صدره ووجد وجه النبي محمد وهو يبتسم وينظر عليه.

وورد أن النبي محمد  كان قد تألم عندما علم أن بلالاً قد تعرض للتعذيب على أيدي أمية بن خلف لمجرد كونه مسلماً، وطلب من أبو بكر شراء بلال من مولاه أمية بن خلف فوافق أبو بكر علي الفور وذهب إلي أمية بن خلف وطلب منه أن يشتري بلالاً. وقد غالي أمية بن خلف في السعر بيد أن أبي بكر دفع له ما سأل واشتري بلالاُ وذهب به إلي النبي محمد  الذي ما لبث أن أطلق سراحه حراً لوجه الله تعالي. وكان إطلاق سراح بلال مثالاً على الكيفية التي ينظر بها الإسلام إلى كل البشر: فالكل يولدون أحراراً ويجب أن يظلوا أحرارا، وما العبودية إلا لله رب العالمين.

ففي وقت كانت فيه العنصرية والعبودية المتفشية والتمييز الواضح القائم على الانتماءات القبلية التافهة هي القاعدة، وقف النبي محمد  مثالاً رائداً على كيفية تعامل البشر مع بعضهم البعض. إن تحرير بلال من العبودية، وتقريبه من النبي  والمسلمين، بل وجعله كأول مؤذٍ في الإسلام، إنما يمثل مثالاً واضحاً ومعني عميقاً أمام الجميع. ويمكن اعتبار هذا العمل الرائد مثالاً رائداً في الفكر السياسي بحسب معطيات اليوم: إذ يجب علينا، بغض النظر من يكون ومن يتعرض للإضطهاد، أن نقف إلى جانبهم، وأن نحمي قيمة الخير والمحبة وأن نقف أمام شرور العبودية والتفريق العنصري والتمييز الاجتماعي في أي وقت وزمان.

لم يكن حب النبي  لبلال لينتهي عند هذا الحد، ففي إحدى المناسبات قيل أن بلالاً دخل غرفة كان يجلس فيها النبي وأصحابه. وقد لمعت عينا النبي  وهلل حين سمع صوت المؤذن بلال حين رفع الأذان وقال: “إذا أردنا أن نأخذ شخصًا واحدًا كمثال ساطع لسلوك المؤمن الجيد والأدب المستحسن منه، فستكون أنت يا بلال مثالًا واضحًا جلياً”.

  • حماية حقوق الأقليات الدينية:

عندما أجبر النبي محمد  ورفاقه على الهجرة إلى المدينة المنورة بعد تعرضهم للتعذيب والمضايقة والهجوم من قبل المشركين في مكة، سرعان ما توصل إلى معاهدة للعيش في سلام مع الأقلية اليهودية التي عاشت في كيانات صغيرة فى المدينة المنورة. فلم يرغمهم النبي  علي دخول الإسلام، كما أنه لم يعلن عليهم الحرب، وبدلاً من ذلك قام بتنظيم أحد أعظم المواثيق بشأن حماية الأقليات الدينية في ذلك الوقت.

لقد أدرك النبي  أن العيش في سلام مع الجميع على الرغم من الاختلافات الواضحة كان أكثر أهمية من إجبار وفرض دين على الآخر، مثالاً يحتذي للبشرية جمعاء: فيجب أن يكون الجميع أحراراً في ممارسة دينهم في سلام، طالما كان هناك فهم متبادل لاحترام الآخر. وعلى الرغم من أن غالبية المدينة احتفلت واحتضنت النبي وأصحابه كقادة لهم في الإسلام، إلا أن النبي  ضمن حماية الأقلية اليهودية بغض النظر عن كون المسلمين هم الأكثرية فيها.

لقد كان هذا الميثاق هائلاً من حيث أنه كفل للمجتمع اليهودي كامل حقوقه في ممارسة شعائر دياناتهم اليهودية دون مضايقة. فكان جميع اليهود الذين دخلوا في العهد محميين من الإهانات والسخرية، وتم ضمان حقوق متساوية لهم والحصول الكامل على المساعدة والخدمات. كما تم منح أفراد الجالية اليهودية الحق الكامل في ممارسة عقيدتهم بالكامل بحرية دون أي قيود. وأخيراً، كانت هناك نقطة انطلاق جديدة في معاهدة النبي وهي أن الحلفاء المسالمين لليهود سوف يتمتعون أيضًا بنفس الحماية والحريات المنصوص عليها في هذا الميثاق.

لقد قدم النبي  مثالا هاما وبارعاً عن كيفية التعامل مع جميع الناس في المجتمع، بغض النظر عن كونهم أقلية. لقد أشار إلى النقطة الهامة المتمثلة في التأكد من أن المجتمع يعني مجتمعًا للجميع، بغض النظر عن الدين أو الخلفية التي قد ينتمي إليها البعض. في الوقت الذي تبدو فيه مجتمعاتنا أكثر انقسامًا إلي جانب الكراهية التي قد تطال أفراده، يظل المثال الذي وضعه النبي  أكثر أهمية وأعلي قيمة من أي وقت مضى. فقدم النبي محمد  مثالاً فارقاً علي الفكر السياسي الناضج والقيمة الإسلامية الكاملة.

وأخيراً علينا أن أن نتعاون داخل دوائرنا السياسية والاجتماعية لضمان حماية الجميع في المجتمع – حتى أولئك الذين قد نظنهم أقلية وهؤلاء الذين قد يبدو أنهم أكثرية، فالمجتمع هو كيان أقليته لها الأمان وأكثريته هي الضامن. الكل سواء كما علمنا النبي محمد في تطبيقه لقمة المعاني السياسة وأعلاها في زمانه وزماننا.

تمت



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى