مقالات رئيس التحرير

مزاجية الموظف


محمد القبيسي

كأن بيل واترسون حين قال: «ربما لا شيء يساعد المزاج السيء أكثر من نشره لكل من حولنا» كان يستقرئُ حال أولئك الأشخاص المتقلّبين الذين تراهم كل ساعة بمزاج مغاير، فتارة يرقصون فرحاً كمن ربح للتو مليون درهم، ثم فجأة ودون سابق إنذار ترى البؤس يغشى أعينهم والعصبية تقطر من أعينهم كأن أهوال العالم نزلت على صدورهم دفعة واحدة.

لا شك أننا جميعاً نمرُّ بتقلُّب في المزاج بين حين وآخر كرد فعل على تغيُّرات الواقع وتحديات الحياة، لكن حديَّة المزاج واضطرابه أمر مختلف تماماً؛ فهو حالة متطرفة من المزاجية تجعل صاحبها صعب المراس لا تدري متى يتحوَّل فجأة إلى بركان متنقّل لا يلبث أن يثور فيلقي بحممه الملتهبة على الآخرين كما يفعل بعض الموظفين بزبائنهم وزملائهم في العمل.

إن حال الواحد منهم أشبه بحال سلحفاة انسحبت من العالم لتختبئ داخل قوقعتها فتصبح تلك القوقعة الصغيرة عالمها بأكمله، ولا ترى في الوجود غير ذاك المكان الضيق رغم أن الفضاء خارج هذا السجن الصغير واسع ولانهائي. وتعدُّ المزاجية من أبرز الأسباب التي يمكن أن تتسبَّب للإنسان بالفشل سواء على الصعيد الشخصي أو المهني دون أن يدرك، ذلك أنه يعيش غيبوبة عن الواقع داخل قوقعة ذاته التي تمنعه من رؤية الأشياء خارجها.

لكن الحقيقة أن المسؤول أو الموظف وكل من يعمل تحت مظلة أي جهة ويرنو للنجاح ينبغي أن يتمتَّع بمزاج جيد يعينه على التواصل مع من حوله من الناس بصورة راقية وإنجاز مهامه بكفاءة عالية، لأن المزاجية تجعل الشخص في حالة استسلام تام لمزاجه السيء الذي يدفعه للإساءة إلى الغير بعد يوم عمل مرهق أو شجار حصل بينه وبين زوجته أو أحد أفراد عائلته أو لأي سبب كان، ويسلبه القدرة على أداء مهامه الوظيفية ويؤدي إلى نفور الآخرين منه وصولاً إلى اجراءات تأديبية في بعض الحالات.

ومالم تكن حديَّة المزاج وتقلُّباته حالة مرضيَّة تستوجب تدخلاً من قبل اختصاصي نفسي، فمن أنجع النصائح للتغلب على المزاجية التي يمكن إخضاعها للتحكم الذاتي هي محاولة المرء التركيز على اللحظة الحاضرة، فلا يعيش هموم حياته ومشكلاته الشخصية في مكان العمل والعكس صحيح، وبالتالي ما إن يبدأ عمله حتى يتناسى كل ما يجري خارجه ليصب كل تركيزه على ما بين يديه، كما أن للتفاؤل دوراً مهماً في تحسين سلوكياتنا مع الآخرين وزيادة قدرتنا على التعامل مع الضغوط اليومية المختلفة، يقول جبران خليل جبران: «المزاج الجميل، والنظرة المتفائلة، تمنحنا واقعاً أجمل».

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق