مقالات في القانون

كورونا و القوة القاهرة

د. خالد الحضرمي

أطل علينا ضيفا ثقيلا مع بداية عام 2020، و الذي سبب الكثير من الخوف و الهلع و الجزع، و تسبب في وفاة الكثير من الناس. فيروس كورونا أو ما يسمى COVID-19، الذي أدى إلى خلط أوراق السياسة و الإقتصاد و الصحة و غيرها من أمورنا الحياتية اليومية. و من منظور قانوني بحت فقد تسبب إنتشار هذا المرض بصورة سريعة إلى خلق جدل قانوني بين رجال القضاء و رجال القانون، حول مسألة القوة القاهرة FORCE MAJEURE ، و هل يعتبر هذا المرض إحدى حالات القوة القاهرة المعروفة على اعتبار أنه تم إلغاء الكثير من الإتفاقيات و الفعاليات بين الأفراد و الشركات و الدول. و قد تم تعريف مصطلح القوة القاهرة و إن كنا نحتاج إلى إعادة تعريفها من جديد بعد ظهور أسباب جديدة قد تعد قوة قاهرة كهذا المرض. فالقوة القاهرة هي الظروف القاهرة و الخارجة عن إرادة الشخص بشكل عام أو الخارجة عن إرادة أطراف التعاقد كاندلاع حرب أو قيام ثورة أو إضراب أو جريمة عامة أو كوارث طبيعية كالزلازل أو فيضانات أو إعلان حالات الطوارئ، و التي قد تمنع هذه الأحداث أحد الأطراف أو الطرفين معا من تنفيذ إلتزاماته طبقا للعقد.

و لكن يبقى السؤال مطروحا هنا و هو هل يمكن اعتبار تفشي الأمراض كفيروس كورونا هو قوة قاهرة يستوجب عدم تنفيذ الإتفاق أو يستوجب التعويض عن الضرر الذي وقع نتيجة هذا الظرف القاهر. المادة 273 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم 5 لسنة 1985 و تعديلاته الأخيرة نصت صراحة على أنه (في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت عليها قوة قاهرة تجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلا، انقضى معه الإلتزام المقابل له و انفسخ العقد من تلقاء نفسه، و إذا كانت الإستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل). إذاً يتضح جليا من خلال تعريف القوة القاهرة و نصوص القانون الإماراتي بأنه لم يتم وضع الأمراض المفاجئة التي تصيب العالم دون سابق إنذار من ضمن حالات القوة القاهرة حتى يمكن اعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة يترتب عليه انفساخ العقود المتبادلة بين الأطراف. فمصطلح القوة القاهرة لا يمكن الإستناد إليها إلا إذا توافرت لها شروط أساسية منها أولا: إستحالة التوقع، فيجب أن لا يكون في الإمكان توقع الحادث و يستتبع عدم التوقع أن الفعل الطارئ بطبيعته غير ممكن توقعه عقلا، فلا يعتبر قوة قاهرة ما يقع في حدود المألوف وقوعه كالمطر في فصل الشتاء، و إنما يعتبر قوة قاهرة ما لا يمكن حدوثه في حدود المألوف توقعه كالفيضان المفاجئ في نهر معد للملاحة.

فالحرب تعتبر قوة قاهرة أحيانا إذا كانت غير متوقعة أو مفاجئة، أما إذا كانت الحرب قائمة أو متوقعة الحدوث فلا تعد من قبيل القوة القاهرة. و يعتبر معيار عدم التوقع هنا هو معيار موضوعي و ليس معياراً ذاتيا، أي أن معيار التوقع يقاس بمعيار الرجل العادي، و هو ما أخذت به أغلب المدارس القانونية. و ثاني شروط القوة القاهرة هو إستحالة دفعه بمعنى يشترط أن لا يمكن مقاومة الحادث القاهر و لا التغلب عليه حتى يمكن اعتبار ما حدث قوة قاهرة، و ذلك إذا كان المدين يستطيع تنفيذ إلتزامه رغم وجود القوة القاهرة فلا يصح التمسك بها، فالإستحالة لابد أن تكون مطلقة، أما مجرد صعوبة التنفيذ فلا يعد من قبيل الإستحالة. و قد وضع بعض فقهاء القانون شرطا ثالثا لتطبيق شرط القوة القاهرة في العقود و الإتفاقات و هو العنصر الخارجي. و مفهوم هذا الشرط هو أنه لابد أن يكون سبب عدم تنفيذ الإلتزام من أحد أطراف العقد خارجيا، فانفجار عجلة السيارة الذي أدى إلى تدهور السيارة مثلا لا يعد قوة قاهرة تعفي سائقها من المسؤولية طالما أن سبب تدهور السيارة كان بسبب ظرف داخلي من السيارة وليس خارجيا. و عليه هل يمكن إعتبار فيروس كورونا قوة قاهرة يحق لطرفي أي تعاقد التمسك به لفسخ العقد و عدم تنفيذه؟ و ماذا لو كانت القوة القاهرة لفترة بسيطة وغير مستمرة؟ و ما هو موقف القانون لو تم إكتشاف اللقاح المناسب لعلاج هذا المرض أثناء نظر دعاوى التعويض و فسخ العقود؟ و هل إغلاق المطارات في وجه المسافرين و الطائرات يعد قوة قاهرة يستطيع المسافر المطالبة بإسترداد مبلغ التذكرة؟ و هل لشركات الطيران أن تتحجج بظرف القوة القاهرة بسبب هذا الإغلاق؟ وهل يحق لكل شخص متضررالمطالبة بالتعويض؟ و هل لشركات التأمين الحق في رفض المطالبات بحجة أن فيروس كورونا لا يعد قوة قاهرة؟ و هل يحق للمتعاقدين الرجوع و العمل بالعقد المفسوخ بعد إكتشاف اللقاح المناسب؟ و هل يمكن إعمال مبدأ القياس لقياس أثر هذا المرض و غيرها من الأمراض المفاجئة و ضرورة اعتباره من ضمن حالات القوة القاهرة المعروفة لدى المشرعين القانونيين؟ و هل يعد من سلطة القاضي التقديرية تصنيف فيروس كورونا من ضمن حالات القوة القاهرة، و ما هو سنده القانوني؟.

إذاً قد يواجه العالم بشكل عام و رجال القضاء و القانونيون بشكل خاص تحدياً كبيراً في تحديد شرط القوة القاهرة المتمثل في فيروس كورونا و غيرها من الفيروسات المفاجئة.و قد ينقسم الفقهاء في رأيهم فمنهم من قد يرى بأن فيروس كورونا ليس قوة قاهرة و ليس من ضمن الحالات التي ذكرتها بعض القوانين الذي يتطلب فسخ العقود و يمكن تأجيل تنفيذ العقد بإتفاق الطرفين حتى إكتشاف العلاج المناسب، و القسم الآخر قد يرى بأن فيروس كورونا يعد قوة قاهرة لإنطباق الشروط الثلاثة وهي إستحالة التوقع وإستحالة دفعه و أن يكون سببه خارجيا، و يمكن لإطراف التعاقد فسخ العقد و المطالبة بالتعويض المناسب إذا ثبت الضرر.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى