قضايا ودراسات

خلفيات ركود الإنشاد الديني

عبد اللطيف الزبيدي
صار الحديث عن الإنشاد الديني في الشهر الفضيل، «لازمة» العمود في كل رمضان. تمضي السنون ولا تطوير. في الصراحة راحة. الموسيقى العربية «حظها وحش»، ولو كانت فاتنة الجمال ساحرة، لقلنا أصابتها العين. لا بدّ من مواجهة الحقيقة التي تتجلى بالمقارنة. هذا الشهر بالذات هو الظرف الزماني الذي يجب أن يقال فيه هذا المقال.
سيلخّص القلم أسرار رقيّ الموسيقى الكلاسيكية الغربية منذ القرن الخامس الميلاديّ إلى القرن العشرين، في بضعة أسطر. ثمة ثلاث مراحل كانت كل واحدة منها أساساً متيناً وقاعدة انطلاق فعّالة، أرست الموسيقى وشيدت بنيانها على مبادئ تسمو بالروح، وترقى بالعقل، أي تنزّه هذا الفن عن الهبوط. يكمن العيب في سوء استخدام الموسيقى ومستخدميها، لا في الأداة والوسيلة.
بعد القرن الرابع الميلاديّ ظهرت الأناشيد الجريجورية، وتطورت إلى أشكال الإنشاد في «الموتيت» مع العزف أحياناً. في القرن السادس عشر لعب مارتن لوثر دوراً رائداً في رفع راية الموسيقى السامية ما أعطى ألمانيا صولجان القيادة بلا منازع في أوروبا. تلك هي القاعدة التي قام عليها بنيان الموسيقى الكلاسيكية على يد جان سباستيان باخ: صارت الموسيقى ميدان سمو الروح ونقاء النفس ورفعة العقل والفكر. مؤلفو الموسيقى السيمفونية يتجاوز عددهم الخمسة والعشرين ألفاً، يستندون جميعاً، على نحو أو آخر، إلى تلك المراحل الثلاث.
ما على موسيقيّي العرب أن يصححوه هو بإيجاز: لقد نشأت الموسيقى العربية في أجواء مغرقة في المادية والحسية، وزاد الطين بلة الشعر المتغني بالجسد، فحدث الفراق والطلاق بين الشقّين الروحيّ المعنويّ، والجسديّ الماديّ. حُبس المعنويّ في الزوايا والتكايا والخانقاهات لدى المتصوفة والدراويش، في المدائح والأذكار، التي كانت ترفض الفرق الموسيقية، ما يجعل التطوير متعذراً أو ضئيلاً، وظلت الأغنية الغزلية مجال الموسيقى، ولم تعرف تطويراً يُذكر إلا في عقود معدودة من القرن العشرين، ثم شهدت انهياراً مهولاً كما نرى منذ أربعة عقود أو أكثر. انفصال الإنشاد الدينيّ عن تطوير الموسيقى حرمها خوض التجارب المعنوية السامية. لم يحدث أن رأى تاريخ الفن العربيّ موسيقى روحية خالية من الكلمات. إطلاقاً. كارثة فنية. السبب ببساطة: خلط فظيع في مفهوم الموسيقى، سوء فهم، وتهمة باطلة لا تقوم على أساس.
لزوم ما يلزم: النتيجة التطويرية: نظرة علماء الدين القدامى تخص أجواء الموسيقى التي عرفوها في عصورهم، وليست حكماً مطلقاً ينطبق على العظمة الروحية التي تستطيع الموسيقى التعبير عنها.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى