قضايا ودراسات

لماذا تُتّهم الدوحة بدعم الإرهاب؟

كمال بالهادي
قد لا يخفى على أحد أنّ الدّوحة يشار إليها دوماً بالبَنان، في ما يتعلّق بالدول الدّاعمة للإرهاب. ففي كثير من المرّات يتمّ ترديد اسم قطر، في قائمة الدّول التي تدعم الإرهاب بأشكال متعدّدة، ولكن الأخيرة تنفي في كلّ مرة تورطها في مثل هذه الشبهات، بالرغم من أنّ قراءة بعض المعطيات الواقعية، التي عاشتها الدول العربية، في ما يسمى «دول الرّبيع العربي»، يمكن أن تجعل هذه الشكوك الموجهة إلى الدوحة، أقرب إلى الحقائق منها إلى مجرد اتهامات.
لو نسعى إلى دراسة الدّول العربية المتضررة من التدخل القطري، حالة بحالة، سنجد عدة روابط عميقة بين الدوحة والإرهاب، وهو دعم متعدد الأوجه.
لنبدأ بالحالة الليبية التي لعبت فيها الدوحة دوراً حاسماً في الإطاحة بالنظام الليبي السابق، وبدعم الجماعات الليبية المحسوبة على الإسلام السياسي، أي التنظيمات «الإخوانية» التي سيطرت على كل ليبيا، ثم تحوّلت إلى مصدر تهديد وتصدير للإرهابيين إلى دول مثل سوريا، عبر تركيا. لا يمكن لأحد أن يستطيع إنكار الدعم القطري الواضح للجماعة الإسلامية المقاتلة بقيادة عبد الحكيم بالحاج، والتي تسير بنهج الصادق الغرياني مفتي ليبيا، الذي يعتبر من العناصر المتشددة. والأمر يزداد تعقيداً عند دراسة هذه الحالة، لأن المشهد الليبي المتحكم في جزء منه من طرف ميليشيات مصراتة وميليشيات 17 فبراير والتي تسمى قطريّا «كتائب الثوار»، ويتحول الجيش النظامي الوطني إلى ميليشيا، أو إلى «كتائب القذافي». وبالرغم من أن كثيراً من هذه الجماعات المسلحة، مصنفة دولياً ضمن الجماعات الإرهابية، إلا أنها تجد دعماً إعلامياً من دولة قطر ومن شبكة الجزيرة تحديدا، لتصبح الميليشيا وتنظيمات «أنصار الشريعة» و«القاعدة»، هي جماعات ثورية تسعى إلى نيل الديمقراطية!!
وبالرغم من أن هناك محاولات عربية حقيقية من دول مثل تونس والإمارات ومصر والجزائر والمغرب، لجمع شمل الإخوة الليبيين، ولإصلاح ذات البين إلاّ أنّ قطر تستميت في الدفاع عن كيانات مسلحة خرّبت البلد، وتواصل هجومها على الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، بمعنى أنها تدعم اللادولة ضدّ ما تبقى من مؤسسات الدولة الليبية.
في الملف السوري، لا يمكن لأحد، أن ينكر حجم الدور الذي تصرح به قطر علناً، والداعم لجماعات إرهابية وعلى رأسها «جبهة النصرة»، المصنفة جماعة إرهابية على المستوى الدولي. القصف الإعلامي اليومي الموجه من قطر إلى الدولة السورية وتبنيها تسمية «تنظيم الدّولة»، في تسمية التنظيم الإرهابي «داعش»، واستضافتها لقيادات إرهابية مثل «أبو محمد العدناني»، وتسويقها لفصائل هي مشتقات «داعشية»، والسعي إلى تضخيم بعض الأحداث، ونشر مراسلين في كل المناطق التي تسيطر عليها تلك الجماعات الإرهابية، والسماح للطواقم الإعلامية للتحرك لتسويق وجهات نظر تلك الجماعات، لا يمكن أن يكون مجرد دعم ل«الثورة السورية» التي بدأت سلمية وتمّ بعد ذلك استغلالها لتدمير الدولة السورية. وكالعادة وحينما توجد فرص تسوية بين النظام السوري وبين المعارضة السورية في منصات جنيف والقاهرة وموسكو، كان الإعلام القطري بقيادة شبكة الجزيرة، مناهضاً لكلّ تقارب سوري- سوري، بل إن هذه الكتيبة الإعلامية سرعان ما تعمد إلى استغلال أي حادث بسيط وتضخيمه من أجل ألاّ يحصل تفاهم سياسي ينهي المأساة السورية.
في تونس، عاشت البلاد، أحداثاً مؤلمة، كان ضحيتها أبرياء، من سياسيين ومن جنود ورجال أمن وطني، ورغم نجاح تونس في تنفيذ محطات مهمة في الانتقال الديمقراطي، إلاّ أننا نجد مسارعة من تلك «الكتائب الإعلامية»، إلى تضخيم أي حدث، وتصويره على أنه مواجهات بين طرفين متكافئين، وذلك من أجل النيل من عزائم قوات رجال الشرطة والجيش، وقد عاش التونسيون مراراً عديدة هذا السيناريو، في بن قردان في مارس/ آذار 2017، وفي أحداث متحف باردو وفي أحداث جبل الشعانبي. لكن الدعم لم يكن مجرد دعم إعلامي، بل إنه في أحيان كثيرة يتحول إلى دعم مالي صريح. حيث لا يخفى على التونسيين وعلى المراقبين، وجود اتهامات صريحة للدوحة بدعمها للإسلام السياسي بكل مشتقاته، وهذا ينتج في أكثر من مرة حركات إرهابية كانت تحاول دائماً تقويض الدولة التونسية. لكن قوة إيمان التونسيين بوطنهم جعل كل المشاريع تسقط، فهناك جمعيات خيرية وهناك شبكات تسفير، تتم الإطاحة بها. والوجهة التي يشار إليها بالبنان هي قطر.
أما في الحالة المصرية، فالاصطفاف القطري وراء جماعة الإخوان المسلمين المصنفة جماعة إرهابية حسب القضاء المصري، واضح ولا غبار عليه، وهناك تحريض يفوق التحريض على سوريا، في ما يخص الجيش المصري والدولة المصرية. التحريض الإعلامي ضد مصر في كل مناسبة وحتى دون مناسبة، يترجم في كل مرة بعملية إرهابية ضد الجيش في سيناء أو ضد الأقباط، في إطار خطط للنيل من مصر والسعي لاستنزاف جيشها. وهذا الدعم لجماعة مصنفة إرهابية، لا يمكن أن يكون مجرّد دعم إعلامي، بل هو يتجاوز ذلك إلى دعم مادي وإلى دعم سياسي، من خلال محاولات النيل من صورة مصر في العالم. وطبعاً هذا يصب في خانة استفادة الفوضويين والإرهابيين منه.
الأمثلة عديدة، والتورط القطري في دعم الإرهاب، إعلامياً لا يقبل التشكيك، أما الدعم اللوجستي والمادي، فذلك سيكشف يوماً ما، عندما ينجلي غبار ما يسمى «الربيع العربي»، الذي يُجمع مراقبون عليه، بأنه ربيع دم وإرهاب وخراب برعاية قطرية.

belhedi18@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى