قضايا ودراسات

«أونفري» وانهيار الحضارة

عبد اللطيف الزبيدي

على السياسة أن تصغي عندما تتكلم الفلسفة. الفيلسوف الفرنسي النجم «ميشال أونفري» أطلق زفرة في كتابه «الانهيار» (600 ص) خلاصته في جملة «الحضارة الغربية انتهت». كلمة «ديكادانس» يمكن أن تترجم إلى: الانحدار، الانحطاط، السقوط، الغروب…
كتبٌ عدّة صدرت منذ القرن الماضي تحمل عناوين مماثلة: «تدهور الغرب» للألماني «أوسوالد شبنجلر»، «سقوط الحضارة» للبريطاني «كولن ويلسون»، أمّا البحوث فقائمتها تطول. مؤلفات كثيرة تناولت أفول الحضارة الغربية، عاكفة على انتقال مركز القوة الاقتصادية إلى الشرق،من أبرزها كتاب المفكر السنغافوري «كيشور محبوباني»: «التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق».
أونفري يثير قضايا الغرب في حضارته العجوز، التي استمرت ألفي سنة، كأنه يقول: «شو بدّك أكثر من هيك»؟ ضروريّ أن يَرشُد العرب ويحذروا أخطار اتخاذه قدوة لسياساتهم، في المرحلة الراهنة ومستقبلاً، لأن العاقبة هي الانجرار إلى طريقه.
أخطر ظاهرة هي فقدان الحضارة القيم التي قامت عليها وظلت تنادي بها قروناً،من خلال حشود من الفلاسفة والمفكرين والمبدعين آداباً وفنوناً، واستمدت السياسات من ذلك قوة ناعمة عالمية، كانت لها عوناً في تغطية فظائع القسوة الاستعمارية وتبريرها. من سخريات التاريخ أن الآلات الإعلامية التي فعلت ذلك،هي نفسها التي صارت مطيّة لانتشار الوعي في كل القارات عالميّاً، وأدّت إلى انكشاف الكذب والابتزاز والتضليل، كأهمّ أدوات التسويق السياسية الحديثة. غدت الحمائم نسوراً والظباء ضباعاً. مقولة أونفري فريدة: «لم يعد ساسة الغرب يمارسون السياسة، صاروا يديرون الاقتصاد». يضع ذلك في إطار فراغ القيم الذي تغوّلت فيه المآرب الماديّة، بلا حساب للمبادئ الإنسانية: «إذا مت ظمآنا فلا نزل القطرُ».لا مجال بعدُ لأبي العلاء: «فلا هطلت عليّ ولا بأرضي..سحائب ليس تنتظم البلادا».
هل شعرت المستشارة الألمانية بنذير مواطنها الراحل «شبنجلر» في كتاب «تدهور الغرب»، فلوّحت بتوجيه دفّة السفينة إلى الصين وروسيا؟ وهل تعمّد الرئيس «ماكرون» رمزية استقبال بوتين في قصر فرساي، إشارةً إلى محاولة نزع فتيل الصراعات الدولية في معاهدة فرساي 1919؟ الرمزية الأخرى الطريفة، هي في نفس ماكرون: إذا كنتَ يا بوتين القيصر، فأنا وارث الملك الشمس في فرساي، لويس الرابع عشر صاحب مقولة: «أنا الدولة».
كتاب أونفري يثير في أذهاننا شجون فلسفة التاريخ، التي جعلت حضارة الغرب تنطلق من قيم المحبة والسلام في المسيحية في عهد الروماني قسطنطين، لتصل في نهاية المطاف إلى المبادئ والقيم المضادة،التي تدير الاقتصاد بتدمير البلدان وإفقار الشعوب.
لزوم ما يلزم: النتيجة السباحية: لا تمدنّ يدك إلى من يغرق إذا كان أقوى منك.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى