قضايا ودراسات

خواطر في ساعات الصوم

عبد اللطيف الزبيدي

نبحث موضوع ضرورة تجديد الفقه، انطلاقاً من مسألة جزئية، وفي الجزء شيء من الكل. الأساس: الدين يسر لا عسر. والفقه الذي هو الفهم لغويّاً، يقتضي أن يكون في خدمة الناس لا العكس. بعض المسلمين الذين يقيمون قرب القطب الشماليّ، يصومون عشرين ساعة أو أكثر، فهل يحتاجون إلى تجديد الفقه الذي لم يكن يضع في الحسبان، في قرون تأسيس المذاهب، الاختلافات الجغرافية المهولة؟ كيف يكون أمرهم إذا حلّ رمضان في نهار أو ليل يدوم ستة شهور؟ بعض أهل النظر يقول: إن عليهم أن يصوموا مثلما تصوم أقرب مدينة يكون فيها ليل ونهار، حتى لو اقتضى ذلك الإمساك عن الماء والطعام ثلاثاً وعشرين ساعة. هذا كلام غير مقنع، فيه تعسير، ولا تنطبق عليه مقولة «الأجر على قدر النصب». وجود مسلمين في مناطق مجاورة للقطب الشماليّ لم يكن مطروحاً مطلقاً في فجر الإسلام وصبحه وضحاه.
أمر غير منطقيّ، بل يخرجنا قسراً إلى مشاهد لا تخلو من الدعابة السوداء. سيكون الإفطار والسحور اثنين في واحد. ستكون التراويح بعد الإمساك. المسألة غير معقولة في الطرف المقابل أيضاً، إذا كان الصيام ساعتين أو ثلاثاً فقط. متى أمسك حتى أفطر؟ المدّة أقصر حتى من الوقت اللازم للهضم. هنا تتأكد الحاجة إلى فقه يكون فهماً واقعيّاً موضوعيّاً. ليس من المتصوّر أن يحدّد النصّ القرآنيّ ساعات الصيام الواجبة على كل بلد من بلدان العالم. الجغرافيا متغيّرة على طول التاريخ.
ليس من حقّ الإعلاميين الإفتاء أو ادّعاء المعرفة بطرائق التأويل. لكنّ إبداء الرأي قد يساعد أهل الرأي والاختصاص. يستطيع كبار أهل الإفتاء في العالم الإسلاميّ الانطلاق من عدد ساعات الصيام في الأرض التي نزل فيها القرآن، حينئذٍ يكون خمس عشرة ساعة مثلاً، ويُطبّق ذلك على أيّ مسلم في أيّ منطقة كان من الكرة الأرضيّة. بذلك لا يصوم أحد أقلّ من اللازم ولا أكثر. الحجة جليّة، فمن يصوم ساعتين أو ثلاثاً، كأنه لم يصم، فحتى مع رسوخ الإيمان وصدق النيّة، لا يشعر بالعطش والجوع، وفيهما قيمة ترويض النفس والإحساس بمعاناة الجياع والظامئين. الذين يصومون عشرين ساعة أو أكثر تتجاوز الفريضة عندهم الحدّ إلى المعاناة، ويرون بالتالي أن الجغرافيا يانصيب. والله من وراء القصد.
لزوم ما يلزم: النتيجة الصحيّة: عند الإفطار بعد ساعتين أو ثلاث من الإمساك، تنتفي كل فوائد الصيام الطبيّة. رمضان مصحّة، والرأي لمن لم يروا الرأي بعدُ.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى